كلاما فأردت أن أنكر عليه ، وعلمت أنى أقتل ولم يمنعني القتل ، ولكن كان في ملأ من الناس فخشيت أن يعتريني التزين للخلق ، فأقتل من غير إخلاص في الفعل فإن قيل فما معنى قوله تعالى * ( ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) * « 1 » قلنا : لا خلاف في أن المسلم الواحد ، له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل ، وإن علم أنه يقتل ، وهذا ربما يظن أنه مخالف لموجب الآية ، وليس كذلك ، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ، ليس التهلكة ذلك ، بل ترك النفقة في طاعة الله تعالى ، أي من لم يفعل ذلك فقد أهلك نفسه ، وقال البراء بن عازب : التهلكة هو أن يذنب الذنب ، ثم يقول لا يتاب علىّ ، وقال أبو عبيدة : هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيرا حتى يهلك ، وإذا جاز أن يقاتل الكفار حتى يقتل ، جاز أيضا له ذلك في الحسبة ، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار ، كالأعمى يطرح نفسه على الصف ، أو العاجز ، فذلك حرام ، وداخل تحت عموم آية التهلكة ، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل ، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته ، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة ، وحبهم للشهادة في سبيل الله ، فتنكسر بذلك شوكتهم ، فكذلك يجوز للمحتسب ، بل يستحب له أن يعرّض نفسه للضرب والقتل ، إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر ، أو في كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين ، وأما إن رأى فاسقا متغلبا ، وعنده سيف ، وبيده قدح ، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح ، وضرب رقبته ، فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجها ، وهو عين الهلاك ، فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرا ، ويفديه بنفسه ، فأما تعريض النفس الهلاك من غير أثر فلا وجه له ، بل ينبغي أن يكون حراما ، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر ، أو ظهر لفعله فائدة ، وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه ، فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه ، فلا تجوز له الحسبة بل تحرم ، لأنه عجز عن دفع المنكر ، إلا بأن يفضي ذلك إلى منكر آخر ، وليس ذلك من القدرة في شيء ، بل لو علم أنه لو احتسب لبطل ذلك المنكر ، ولكن كان ذلك سببا لمنكر آخر يتعاطاه غير المحتسب عليه ، فلا يحل له الإنكار على الأظهر ، لأن المقصود عدم مناكير الشرع مطلقا
هامش
« 1 » البقرة : 195