تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
لا من زيد أو عمرو ، وذلك بأن يكون مثلا مع الإنسان شراب حلال ، نجس بسبب وقوع نجاسة فيه ، وعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبه الخمر ، أو تشرب أولاده الخمر ، لإعوازهم الشراب الحلال ، فلا معنى لإراقة ذلك ، ويحتمل أن يقال إنه يريق ذلك فيكون هو مبطلا لمنكر ، وأما شرب الخمر فهو الملوم فيه ، والمحتسب غير قادر على منعه من ذلك المنكر وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ، وليس ببعيد ، فإن هذه مسائل فقهية لا يمكن فيها الحكم إلا بظن ، ولا يبعد أن يفرق بين درجات المنكر المغير ، والمنكر الذي تفضي إليه الحسبة والتغيير ، فإنه إذا كان يذبح شاة لغيره ليأكلها ، وعلم أنه لو منعه من ذلك لذبح إنسانا وأكله فلا معنى لهذه الحسبة . نعم لو كان منعه عن ذبح إنسان ، أو قطع طرفه يحمله على أخذ ماله فذلك له وجه . فهذه دقائق واقعة في محل الاجتهاد ، وعلى المحتسب اتباع اجتهاده في ذلك كله ، ولهذه الدقائق نقول : العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة ، كشرب الخمر ، والزنا وترك الصلاة ، فأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ، ويفتقر فيه إلى اجتهاد ، فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه ، وعن هذا يتأكد ظن من لا يثبت ولاية الحسبة إلا بتعيين الوالي ، إذ ربما ينتدب لها من ليس أهلا لها ، لقصور معرفته ، أو قصور ديانته ، فيؤدى ذلك إلى وجوه من الخلل ، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك إن شاء الله . فإن قيل : وحيث أطلقتم العلم بأن يصيبه مكروه ، أو أنه لا تفيد حسبته ، فلو كان بدل العلم ظن ، فما حكمه ؟ قلنا : الظن الغالب في هذه الأبواب في معنى العلم ، وإنما يظهر الفرق عند تعارض الظن والعلم ، إذ يرجح العلم اليقيني على الظن . ويفرق بين العلم والظن في مواضع أخر ، وهو أنه يسقط وجوب الحسبة عنه حيث علم قطعا أنه لا يفيد ، فإن كان غالب ظنه أنه لا يفيد ولكن يحتمل أن يفيد ، وهو مع ذلك لا يتوقع مكروها ، فقد اختلفوا في وجوبه والأظهر وجوبه ، إذ لا ضرر فيه ، وجدواه متوقعة ، وعمومات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، تقتضي الوجوب بكل حال ، ونحن إنما نستثنى عنه بطريق التخصيص ما إذا علم