تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
فإن قيل : فيلزم على هذا أن يقال إذا زنى الرجل بامرأة وهي مكرهة مستورة الوجه فكشفت وجهها باختيارها ، فأخذ الرجل يحتسب في أثناء الزنا ، ويقول أنت مكرهة في الزنا ، ومختارة في كشف الوجه لغير محرم ، وها أنا غير محرم لك فاسترى وجهك ، فهذا احتساب شنيع يستنكره قلب كل عاقل ، ويستشنعه كل طبع سليم فالجواب : أن الحق قد يكون شنيعا ، وأن الباطل قد يكون مستحسنا بالطباع ، والمتبع الدليل دون نفرة الأوهام والخيالات ، فإنا نقول : قوله لها في تلك الحالة لا تكشفي وجهك واجب ، أو مباح ، أو حرام ، فإن قلتم إنه واجب فهو الغرض ، لأن الكشف معصية والنهي عن المعصية حق ، وإن قلتم إنه مباح ، فإذا له أن يقول ما هو مباح ، فما معنى قولكم ليس للفاسق الحسبة ، وإن قلتم إنه حرام ، فنقول كان هذا واجبا فمن أين حرم بإقدامه على الزنا ، ومن الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب ارتكاب حرام آخر وأما نفرة الطباع عنه واستنكارها له فهو لسببين أحدهما : أنه ترك الأهم واشتغل بما هو مهم ، وكما أن الطباع تنفر عن ترك المهم إلى ما لا يعنى ، فتنفر عن ترك الأهم ، والاشتغال بالمهم ، كما تنفر عمن يتحرج عن تناول طعام مغصوب وهو مواظب على الربا ، وكما تنفر عمن يتصاون عن الغيبة ويشهد بالزور . لأن الشهادة بالزور أفحش ، وأشد من الغيبة التي هي إخبار عن كائن يصدق فيه المخبر ، وهذا الاستبعاد في النفوس لا يدل على أن ترك الغيبة ليس بواجب ، وأنه لو اغتاب أو أكل لقمة من حرام لم تزد بذلك عقوبته ، فكذلك ضرره في الآخرة من معصيته أكثر من ضرره من معصية غيره ، فاشتغاله عن الأقل بالأكثر مستنكر في الطبع ، من حيث إنه ترك الأكثر لا من حيث إنه أتى بالأقل ، فمن غصب فرسه ، ولجام فرسه ، فاشتغل بطلب اللجام ، وترك الفرس ، نفرت عنه الطباع ، ويرى مسيئا ، إذ قد صدر منه طلب اللجام ، وهو غير منكر ، ولكن المنكر تركه لطلب الفرس بطلب اللجام ، فاشتد الإنكار عليه لتركه الأهم بما دونه ، فكذلك حسبة الفاسق تستبعد من هذا الوجه ، وهذا لا يدل على أن حسبته من حيث إنها حسبة مستنكرة الثاني : أن الحسبة تارة تكون بالنهي بالوعظ ، وتارة بالقهر ، ولا ينجع وعظ من لا يتعظ أوّلا