لم يأمر أحد بشيء ، فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير ، وإن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر ، حتى يجوز للابس الحرير أن يمنع من الزنا وشرب الخمر ، فنقول :
وهل لشارب الخمر أن يغزو الكفار ، ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر فإن قالوا : لا ، خرقوا الإجماع ، إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر ، وشارب الخمر ، وظالم الأيتام ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعده ، فإن قالوا نعم فنقول :
شارب الخمر هل له المنع من القتل أم لا فإن قالوا : لا ، قلنا . فما الفرق بينه وبين لابس الحرير ؟
إذ جاز له المنع من الخمر ، والقتل كبيرة بالنسبة إلى الشرب ، كالشرب بالنسبة إلى لبس الحرير فلا فرق ، وإن قالوا نعم وفصلوا الأمر فيه ، بأن كل مقدم على شيء فلا يمنع عن مثله ولا عما دونه ، وإنما يمنع عما فوقه ، فهذا تحكم ، فإنه كما لا يبعد أن يمنع الشارب من الزنا والقتل فمن أين يبعد أن يمنع الزاني من الشرب ، بل من أين يبعد أن يشرب ويمنع غلمانه وخدمه من الشراب ، ويقول يجب علىّ الانتهاء ، والنهى ، فمن أين يلزمني من العصيان بأحدهما أن أعصى الله تعالى بالثاني ، وإذا كان النهي واجبا علىّ فمن أين يسقط وجوبه بإقدامى ، إذ يستحيل أن يقال يجب النهى عن شرب الخمر عليه ما لم يشرب ، فإذا شرب سقط عنه النهى فإن قيل : فيلزم على هذا أن يقول القائل الواجب علىّ الوضوء ، والصلاة ، فأنا أتوضأ وإن لم أصل ، وأتسحر وإن لم أصم ، لأن المستحب لي السحور والصوم جميعا ، ولكن يقال أحدهما مرتب على الآخر ، فكذلك تقويم الغير مرتب على تقويمه نفسه ، فليبدأ بنفسه ثم بمن يعول والجواب أن التسحر يراد للصوم ، ولولا الصوم لما كان التسحر مستحبا ، وما يراد لغيره لا ينفك عن ذلك الغير ، وإصلاح الغير لا يراد لاصلاح النفس ، ولا صلاح النفس لإصلاح الغير ، فالقول بترتب أحدهما على الآخر تحكم ، وأما الوضوء والصلاة فهو لازم فلا جرم أن من توضأ ولم يصل ، كان مؤديا أمر الوضوء ، وكان عقابه أقل من عقاب من ترك الوضوء والصلاة جميعا ، فليكن من ترك النهى والانتهاء أكثر عقابا ممن نهي ولم ينته كيف ، والوضوء شرط لا يراد لنفسه ، بل للصلاة فلا حكم له دون الصلاة ، وأما الحسبة فليست شرطا في الانتهاء والائتمار فلا مشابهة بينهما
إحياء علوم الدين — صفحة 16
مساهمون: الغزالي
ص١٦