وليس حكمه حكم الولايات ، حتى يشترط فيه التكليف ، ولذلك أثبتناه للعبد وآحاد الرعية نعم : في المنع بالفعل ، وإبطال المنكر نوع ولاية وسلطنة ، ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان ، كقتل المشرك وإبطال أسبابه ، وسلب أسلحته ، فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضر به ، فالمنع من الفسق كالمنع من الكفر
وأما الشرط الثاني :
وهو الإيمان ، فلا يخفى وجه اشتراطه ، لأن هذا نصرة للدين ، فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصل الدين وعدوّ له
وأما الشرط الثالث :
وهو العدالة ، فقد اعتبرها قوم ، وقالوا ليس للفاسق أن يحتسب وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله تعالى : * ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) * « 1 » وقوله تعالى * ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) * « 2 » وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] أنه قال : « مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من أنتم فقالوا كنّا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشّرّ ونأتيه » وبما روي أن الله تعالى ، أوحى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم عظ نفسك ، فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحى منى وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء ، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة . والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح ، فمن ليس بصالح في نفسه ، فكيف يصلح غيره ، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ، وكل ما ذكروه خيالات وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب ، وبرهانه هو أن نقول : هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها ، فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع ، ثم حسم لباب الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم ، والأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا ، والقرءان العزيز دالّ على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية ، وكذا جماعة من الأنبياء ولهذا قال سعيد بن جبير : إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء
شرح
[ 1 ] حديث مررت ليلة أسرى بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار - الحديث : تقدم في العلم
هامش
« 1 » البقرة : 44
« 2 » الصف : 3 .