تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
وقال أبو جعفر الفرغاني ، كنا يوما عند الجنيد ، فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد ويتشبهون بالصوفية ، ويقصرون عما يجب عليهم من حق الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق . فقال الجنيد ، كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد ويأخذ بإذن بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه ! وانى لأعرف رجلا يدخل السوق ورده كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثون ألف تسبيحة . قال فسبق إلى وهمي أنه يعنى نفسه فهكذا كانت تجارة من يتجر لطلب الكفاية لا للتنعم في الدنيا . فان من يطلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة ، كيف يدع ربح الآخرة ، والسوق والمسجد والبيت له حكم واحد وانما النجاة بالتقوى . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « اتّق الله حيث كنت » فوظيفة التقوى لا تنقطع عن المتجردين للدين كيفما تقلبت بهم الأحوال . وبه تكون حياتهم وعيشهم . إذ فيه يرون تجارتهم وربحهم . وقد قيل من أحب الآخرة عاش ، ومن أحب الدنيا طاش ، والأحمق يغدو ويروح في لاش ، والعاقل عن عيوب نفسه فتاش . الخامس : أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة ، وذلك بأن يكون أول داخل ، وآخر خارج ، وبأن يركب البحر في التجارة ، فهما مكروهان . يقال أن من ركب البحر فقد استقصى في طلب الرزق . وفي الخبر [ 2 ] « لا يركب البحر إلَّا بحجّ أو عمرة أو غزو » وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول ، لا تكن أول داخل في السوق ، ولا آخر خارج منها ، فان بها باض الشيطان وفرخ . روى عن معاذ بن جبل ، وعبد الله بن عمر ، أن إبليس يقول لولده زلنبور ، سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق زين لهم الكذب والحلف ، والخديعة والمكر والخيانة ، وكن مع أول داخل وآخر خارج منها . وفي الخبر [ 3 ] « شرّ البقاع الأسواق وشرّ أهلها أوّلهم دخولا وآخرهم خروجا » وتمام هذا الاحتراز أن يراقب وقت كفايته ، فإذا حصل كفاية وقته انصرف ، واشتغل
شرح
[ 1 ] حديث اتق الله حيثما كنت الترمذي من حديث أبي ذر وصححه [ 2 ] حديث لا تركب البحر إلا لحجة أو عمرة أو غزو أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو وقيل إنه منقطع [ 3 ] حديث شر البقاع الأسواق وشر أهلها أولهم دخولا وآخرهم خروجا تقدم صدر الحديث في الباب السادس من العلم وروي أبو نعيم في كتاب حرمة المساجد من حديث ابن عباس أبغض البقاع إلى الله الأسواق وأبغض أهلها إلى الله أولهم دخولا وآخرهم خروجا