تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
بتجارة الآخرة . هكذا كان صالحو السلف . فقد كان منهم من إذا ربح دانقا انصرف قنا به . وكان حماد بن سلمة يبيع الخز في سفط بين يديه ، فكان إذا ربح حبتين رفع سفطه وانصرف وقال إبراهيم بن بشار ، قلت لإبراهيم بن أدهم رحمه الله ، أمر اليوم أعمل في الطين ؟ فقال يا ابن بشار ، إنك طالب ومطلوب ، يطلبك من لا تفوته ، وتطلب ما قد كفيته . أما رأيت حريصا محروما ؟ وضعيفا مرزوقا ؟ فقلت إن لي دانقا عند البقال ، فقال عز على بك تملك دانقا وتطلب العمل ! وقد كان فيهم من ينصرف بعد الظهر . ومنهم بعد العصر ومنهم من لا يعمل في الأسبوع إلا يوما أو يومين . وكانوا يكتفون به السادس . أن لا يقتصر على اجتناب الحرام ، بل يتقى مواقع الشبهات ومظان الريب . ولا ينظر إلى الفتاوى ، بل يستفتى قلبه ، فإذا وجد فيه حزازة اجتنبه . وإذا حمل إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها ، حتى يعرف ، وإلا أكل الشبهة . وقد حمل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] لبن فقال « من أين لكم هذا ؟ » فقالوا من الشاة . فقال « ومن أين لكم هذه الشّاة ؟ » فقيل من موضع كذا فشرب منه ثم قال « إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلَّا طيّبا ولا نعمل إلَّا صالحا » وقال [ 2 ] « إنّ الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا من طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ » 1 « فسأل النبي صلَّى الله عليه وسلم عن أصل الشيء وأصل أصله ولم يزد لأن ما وراء ذلك يتعذر . وسنبين في كتاب الحلال والحرام موضع وجوب هذا السؤال ، فإنه كان عليه السلام [ 3 ] لا يسأل عن كل ما يحمل إليه . وانما الواجب أن ينظر التاجر إلى من يعامله ، فكل منسوب إلى
شرح
[ 1 ] حديث سؤاله عن اللبن والشاة وقوله إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلا طيبا ولا نعمل الا صالحا الطبراني من حديث أم عبد الله أخت شداد بن أوس بسند ضعيف [ 2 ] حديث ان الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين الحديث مسلم من حديث أبي هريرة [ 3 ] حديث كان لا يسأل عن كل ما يحمل إليه أحمد من حديث جابر أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وأصحابه مروا بامرأة فذبحت لهم شاة الحديث فأخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لقمة فلم يستطع أن يسيغها فقال هذه شاة ذبحت بغير إذن أهلها الحديث وله من حديث أبي هريرة كان إذا أتى بطعام من غير أهله سأل عنه الحديث وأسنادهما جيد وفي هذا أنه كان لا يسأل عما أنى به من عند أهله والله أعلم
هامش
« 1 » البقرة : 172