تحت عنوان « ما به تعرف العدالة » .
أقول : بعد أن ثبت وحده المراد من التفسيرين ، وأنّهما يشيران إلى معنى واحد ، فالقولان مشيران إلى طريق واحد للعدالة ، لا إلى الطريقين .
هل العدالة نفس حسن الظاهر ؟
إنّ العدالة هل هي نفس حسن الظاهر ، أم حسن الظاهر طريق إليها ؟ الذي ينبغي أن يقال : إنّ صفات الإنسان الطبيعيّة على نوعين :
أحدهما : ما يكون الاتّصاف به غير متوقّف على وجود الغير ، وعلى معرفته ، فيكون الإنسان متّصفاً به ، عرفه غيره أم لا ، وتكون الصفة أمراً ثبوتيّاً واقعيّاً ، وذلك مثل : الشجاعة والسخاوة ونظائرهما ، فإنّ الشجاع شجاع ولو لم يعرفه أحد ، وإنّ الكريم كريم ولو لم ير كرمه أحد .
ومن المعلوم : أنّ العدالة من قبيل هذه الأوصاف .
ثانيهما : ما يكون الاتّصاف به موقوفاً على وجود الغير ، فالصفة حقيقيّة إضافيّة ، وهي مثل : الشهرة والظهور والمعروفيّة .
إنّ الرجل لا يوصف بالشهرة إلا بعد وجود غيره ، وإنّ الشيء لا يوصف بالظهور إلا بلحاظ غيره ، ومن المعلوم أنّ حسن الظاهر من هذا القبيل ، فتبيّن أنّ العدالة صفة للشخص باعتبار نفسه ، وحسن الظاهر صفة له باعتبار غيره ، والأُولى معنى اسمي ، والثانية معنى حرفي ، فلا يجوز اتّحادهما ، فإنّ كلا منهما من مقولة .
ولو كانت العدالة نفس حسن الظاهر لزم أن يكون من يجتنب عن الذنوب ليس بعادل إذا كان لا يعرفه أحد بهذه الصفة ، وذلك خلاف المتبادر من التوصيف بالعدالة .
ثمّ إنّ ظاهر اشتراط وصف الشاهد بالعدل في الكتاب والسنّة كون العدالة صفة واقعيّة ، كسائر الأوصاف المعتبرة في الموضوعات التي لها أحكام في الشرع ، فكيف تكون العدالة صرف عدم ظهور الفسق ، أو مجرّد ظهور الصلاح ؟ فإنّها صفة للشخص في مقام المعرفة ، وليست بصفة واقعيّة له .