المسافة وهم لا يعرفون من نصب تلك الأمارات .
ومنها : أنّهم يرتّبون الأثر على الأخبار المنشورة في الصحف ، وعلى ما تذاع من دور الإذاعات وهم لا يعرفون الصحفي ولا المذيع .
ومنها : اعتمادهم على خبر من يخبرهم بحال من يقرعون باب داره ، فإذا أُخبروا بوجوده في داره أو بعدمه يصدّقون المخبر وهم لا يعرفونه .
ومنها : اعتماد الرؤساء على تقارير أعضائهم كما يعتمدون على أخبار البوليس .
ومنها : اعتمادهم على رسالات الرسل وهم لا يعرفونهم .
ومنها : اعتمادهم على قول من أخبرهم بالوقت من الساعة أو اليوم أو الشهر أو السنة .
ومنها : اعتمادهم على أخبار الناس عن أنفسهم وأحوالهم .
ومنها : اعتمادهم على أخبار المؤرّخين في كتبهم التأريخيّة .
هذه هي سيرة العقلاء القائمة على الاعتماد بقول من لا يعرفونه بالصدق والوثاقة في أُمورهم العادية ، وفي حوائجهم اليوميّة ، فهم يثقون بهذه الأخبار ، ولا يحتملون في حقّ مخبريها الكذب .
وهناك أُمور أُخر لهم فيها اهتمام ، أو يعلمون أنّها مواقع للأغراض الشخصيّة ، وفي مثل هذه الأُمور لا يكتفون بخبر من لا يعرف قائله بالكذب ، بل سيرتهم فيها على الفحص عن حال المخبر ، وعلى التبيّن عن صحّة خبره ، بل قد يطلبون تعدّد الخبر والمخبر إذا كان المخبر به محلَّا لاهتمام أكثر ؛ ولذا كانت سيرتهم في باب المرافعات ، وفصل الخصومات على هذه الطريقة .
والسبب في اختلاف سيرتهم في العمل بالأخبار أنّ ملاك الحجّيّة عندهم هو الوثوق الشخصي ، وذلك حاصل من الخبر الذي لا يعرف قائله بالكذب في أُمور تقدّمت الإشارة إليها ، لكنّ الوثوق لا يحصل لهم من نفس الخبر في الأُمور الهامّة ، أو التي تكون محلَّا للحبّ والبغض ؛ فلذلك يطلبون فيها وثاقة المخبر ، بل تعدّده ، وذلك يختلف بحسب اختلاف الموارد والأحوال والأشخاص .
الإجتهاد والتقليد — صفحة 273
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص٢٧٣