ثانيهما : التمسّك بعموم التعليل المنصوص الحاكم بأنّ الثقة لا يخبر عن خلاف الواقع ، وهو الصادق المصدّق .
ومن المعلوم : أنّ عموم التعليل تامّ الدلالة سواء كان مشيراً إلى سيرة العقلاء ، أو إلى حكم شرعي تعبّدي يدلّ على حجّيّة قول الثقة في جميع ما أخبر به .
ومن النصوص : كلام الحسن بن عليّ بن يقطين لأبي الحسن الرضا عليه السلام :
جعلت فداك ، إنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني ، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة أخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني ؟
قال عليه السلام : « نعم » « 1 » .
وتقريب الاستدلال به : أنّ ظاهر كلام السائل يدلّ على ثبوت كبرى كلَّيّة ثابتة في ذهنه ، وهي حجّيّة قول الثقة بقرينة قوله : « أخذ عنه » إلخ ، فإنّ السؤال يكون عن وثاقة يونس ، وهي صغرى لتلك الكبرى التي حجّيّتها ثابتة عنده ، فإن كان ثبوتها من جهة كونه متشرّعاً فيكشف عن حجّيّتها لدى الشرع ، وإن كان ثبوتها من جهة كونه عاقلًا فهو من باب سيرة العقلاء ، وعلى كلا الفرضين يتمّ المطلوب لإمضاء الإمام عليه السلام لها ، وذلك ظاهر من تصديقه لوثاقة يونس ، مضافاً إلى أنّ الإطلاق المقامي أيضاً يدلّ على ذلك ، فإنّ حجّيّة الكبرى لو لم تكن ثابتة عند الإمام عليه السلام لكان بمقتضى عطفه ورحمته على المؤمنين أن يخبر السائل بذلك حين تفضّل عليه السلام بالجواب ، ثمّ إنّ الإجماع الذي ادّعوا قيامه على حجّيّة الخبر غير مفيد للمقام .
فإنّ المتيقّن منه هو الاعتماد على قول الثقة في مقام التعرّف على الحكم ، ومثله الحال في سيرة المتشرّعة إلا أن يدّعى قيام سيرتهم على العمل بقول الثقة في الموضوعات أيضاً ، وهو مفيد إن لم ترجع إلى سيرة العقلاء .
وأمّا سيرة العقلاء القائمة على حجّيّة قول الثقة فسيأتي الكلام فيها والبحث عنها .
هامش
« 1 » رجال الكشي ، ج 2 ، ص 490 ، الرقم 935 ؛ وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 147 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، ح 33 .