وقوله تعالى حكاية عنهم في غير موضع * ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ) * « 1 » .
فلو كان التعويل على التقليد مرضيّاً سديداً لما وجّه تعالى الذمّ إليهم ، ولكان لهم المعارضة بجوازه في الإسلام .
والجواب أنّ أمثال هذه الآيات لم يعلم ورودها في ذمّ أصل التقليد ، فلدعوى ورودها في ذمّ تقليد خاصّ مجال ، وهو التقليد التعصّبي الأعمى ، وهو التقليد عن الإباء .
فإنّ الأب بما أنّه أب لا يصلح عند العقل والنقل لأن يصير مقلَّداً ومرجعاً ؛ فإنّ التقليد يجب عمّن يكون أهلًا لذلك ، كالعقلاء والعلماء البحّاثين الذين يبحثون وراء الحقيقة ، وليس لهم تمايل بأي طرف ، لا يريدون إلا الوصول إلى الواقع .
فالآية الكريمة تذمّ تقليد من لا أهليّة له للتقليد عنه ، أمّا الذمّ عن أصل التقليد فهي ساكتة عنه .
الثانية : أنّ الاعتقاد الحاصل من التقليد في عرضة الزوال
، وصاحبه غير مأمون على زواله ، فيجب تثبيته بالنظر .
وفيه أوّلًا : أنّ الاعتقاد الحاصل بالنظر قد يكون أيضاً كذلك ، فإنّه قد يزول بخدشة في الاحتجاج ، أو بإشكال في الاستدلال .
وثانياً : أنّ محلّ الكلام هو صحّة الاعتقاد الحاصل بالتقليد ما دام ثابتاً لم يزل ، فالحجّة أجنبيّة عن البحث .
الثالثة : الأخبار الدالَّة على أنّ الإيمان ما استقر في القلب
من التصديق بالشهادتين ، وجه الدلالة أنّ الاستقرار لا يتحقّق إلا بالدليل .
والجواب : أنّ الاعتقاد الحاصل من التقليد يستقرّ أيضاً في القلب .
قوله : « إنّ الاستقرار لا يتحقّق إلا بالدليل » .
وإن أراد من الدليل ما يشمل لقول المرجع ، فالدليل للإيمان الحاصل من التقليد
هامش
« 1 » الزخرف ( 43 ) الآية 22 .