التقليد بالمعنى المصطلح لا يشمل ذلك وهو المطلوب قال ابن دقيق العيد إن قلنا إن الأنبياء لا يجتهدون فقد علمنا أن سبب أقوالهم الوحي فلا يكون تقليدا وان قلنا إنهم يجتهدون فقد علمنا أن السبب أحد الأمرين إما الوحي أو الاجتهاد وعلى كل تقدير فقد علمنا السبب واجتهادهم اجتهاد معلوم العصمة انتهى
وقد نقل القاضي في التقريب الاجماع على أن الأخذ بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والراجع إليه ليس بمقلد بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين انتهى
المسألة الثانية اختلفوا في المسائل العقلية وهي المتعلقة بوجود البارئ وصفاته هل يجوز التقليد فيها أم لا فحكى الرازي في المحصول عن كثير من الفقهاء انه يجوز ولم يحكه ابن الحاجب في المختصر الا عن العنبري وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في شرح الترتيب عن اجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف قال أبو الحسين بن القطان لا نعلم خلافا في امتناع التقليد في التوحيد وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء وقال إمام الحرمين في الشامل لم يقل بالتقليد في الأصول الا الحنابلة وقال الأسفرائيني لا يخالف فيه الا أهل الظاهر واستدل الجمهور بأن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله عز وجل وانها لا تحصل بالتقليد لان المقلد ليس معه الا الأخذ بقول من يقلده ولا يدري أهو صواب أم خطأ قال الأستاذ أبو منصور فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل فاختلفوا فيه فقال أكثر الأئمة انه مؤمن من أهل الشفاعة وان فسق بترك الاستدلال وبه قال أئمة الحديث وقال الأشعري وجمهور المعتزلة لا يكون مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين انتهى
فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود وترجف عند سماعها الأفئدة فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي ولم يكلفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته وما حكاه الأستاذ أبو منصور عن أئمة الحديث
من أنه مؤمن وان فسق فلا يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه بل مذهب سابقهم ولاحقهم الاكتفاء بالإيمان الجملي وهو الذي كان عليه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم بل حرم كثير منهم النظر في ذلك وجعله من الضلالة والجهالة لم يخف هذا من مذهبهم حتى على أهل الأصول والفقه قال الأستاذ أبو إسحاق ذهب قوم من كتبة الحديث إلى أن طلب الدليل فيما يتعلق بالتوحيد غير واجب وانما الغرض هو الرجوع إلى قول الله ورسوله ويرون الشروع في موجبات العقول كفرا وان الاستدلال والنظر ليس هو المقصود في نفسه وانما هو طريق إلى حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد فمن حصل له هذا الاعتقاد الذي لا شك فيه من غير دلالة قاطعة فقد صار مؤمنا وزال عنه كلفة طلب الأدلة ومن أحسن الله إليه وانعم الله عليه بالاعتقاد الصافي من الشبهة والشكوك فقد أنعم الله عليه بأكمل أنواع والنعم وأجلها حين لم يكله إلى النظر والاستدلال لا سيما العوام فان كثيرا منهم تجده في صيانة اعتقاده أكثر ممن يشاهد ذلك بالأدلة انتهى
ومن أمعن النظر في أحوال العوام وجد اعتقادها صحيحا فان كثيرا منهم تجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسي ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام المشتغلين به الخائضين في معقولاته التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص إيمانه وتنتقض منه عروة عروة فان أدركته الألطاف الربانية نجا والا هلك ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم المتبحرين في أنواعها في آخر أمره ان يكون على دين العجائز ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ما لا يخفى
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 266
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٦