لأنه متعبد بما أدى إليه اجتهاده وليس له ان يقول بما يخالفه ولا يحل له ان يقلد مجتهدا آخر فيما يخالف اجتهاده بل يحرم عليه التقليد مطلقا إذا كان قد اجتهد في المسألة فأداه اجتهاده إلى حكم ولا خلاف في هذا واما قبل ان يجتهد فالحق انه لا يجوز له تقليد مجتهد آخر مطلقا وقيل يجوز له فيما يخصه من الأحكام لا فيما لا يخصه فلا يجوز وقيل يجوز له تقليد من هو اعلم منه وقيل يجوز له ان يقلد مجتهدا من مجتهدي الصحابة ولأهل الأصول في هذه المباحث كلام طويل وليست محتاجة إلى التطويل فان القول فيها لا مستند له الا محض الرأي
المسألة التاسعة في جواز تفويض المجتهد قال الرازي في المحصول اختلفوا في أنه هل يجوز ان يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو للعالم احكم فإنك لا تحكم الا بالصواب فقطع بوقوعه موسى بن عمران من المعتزلة وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه وتوقف الشافعي في امتناعه وجوازه وهو المختار انتهى ولا خلاف في جواز التفويض إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو المجتهد ان يحكم بما رآه بالنظر والاجتهاد وانما الخلاف في تفويض الحكم بما شاء المفوض وكيف اتفق له
واستدل من قال بالجواز بأنه ليس بممتنع لذاته والأصل عدم امتناعه لغيره وهذا الدليل ساقط جدا وتفويض من كان ذا علم بأن يحكم بما أراد من غير تقييد بالنظر والاجتهاد مع كون الأحكام الشرعية تختلف مسالكها وتتباين طرائقها ولا علم للعبد بما عند الله عز وجل فيها ولا بما هو الحق الذي يريده من عباده ولا ينبغي لمسلم ان يقول بجوازه ولا يتردد في بطلانه فان العالم الجامع لعلوم الاجتهاد المتمكن من النظر والاستدلال إذا بحث وفحص وأعطى النظر حقه فليس معه الا مجرد الظن بأن ذلك الذي رجحه وقاله هو الحق الذي طلبه الله عز وجل فكيف يحل له ان يقول ما أراد ويفعل ما اختار من دون نظر واجتهاد وكيف يجوز مثل ذلك على الله عز وجل مع القطع بأن هذا العالم الذي زعم الزاعم جواز تفويضه بالشريعة الاسلامية لأنه واحد من أهلها مأخوذ بما أخذوا به مطلوب منه ما طلب منهم فما الذي رفع عنه التكليف الذي كلف به غيره وما الذي أخرجه مما كان فيه من الخطاب بما كلف به وهل هذه المقالة الا مجرد جهل بحت ومجازفة ظاهرة وكيف يصح ان يقال بتفويض العبد مع جهله بما في أحكام الله من المصالح فان من كان هذا قد يقع
اختياره على ما فيه مصلحة وعلى ما لا مصلحة فيه
واما الاستدلال بقوله سبحانه « كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه » فهو خارج عن محل النزاع لأن هذا تفويض لنبي من أنبياء الله وهم معصومون من الخطأ وإذا وقع منهم نادرا فلا يقرون عليه وجميع اصدارهم وإيرادهم هو بوحي من الله عز وجل أو باجتهاد يقرره الله عز وجل ويرضاه وهكذا يقال فيما استدلوا به من اجتهادات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ووقوع الجوابات منه على ما سئله من دون انتظار الوحي وبمثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت وبمثل قوله لما سمع أبيات قتيلة بنت الحرث لو بلغني هذا لمننت عليه أي على أخيها النضر بن الحرث أحد أسرى بدر والقصة والشعر معروفان
واما اعتذار من اعتذر عن القائل بصحة ذلك بأنه انما قال بالجواز ولم يقل بالوقوع فليس هذا الاعتذار بشيء فان تجويز مثل هذا على الله عز وجل مما لا يحل لمسلم ان يقول به وقد عرفت انه لا خلاف في جواز التفويض إلى الأنبياء والى المجتهدين بالنظر والاجتهاد فليس محل النزاع الا التفويض إلى من كان من أهل العلم ان يحكم بما شاء وكيف اتفق وحينئذ يتبين لك ان غالب ما جاءوا به جهل على جهل وظلمات بعضها فوق بعض
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 264
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٤