من قال إن الحق واحد ومخالفه آثم فان هذا الحديث يرد عليه ردا بينا ويدفعه دفعا ظاهرا لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى من لم يوافق الحق في اجتهاده مخطئا ورتب على ذلك استحقاقه للأجر
فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة ان الحق واحد ومخالفه مخطئ مأجور إذا كان قد
وفي الاجتهاد حقه ولم يقصر في البحث بعد احرازه لما يكون به مجتهدا ومما يحتج به على هذا حديث القضاة ثلاثة فإنه لو لم يكن الحق واحدا لم يكن للتقسيم معنى ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير السرية وان طلب منك أهل حصن النزول على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا
وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون لحكم الله عز وجل متعددا بتعداد المجتهدين تابعا لما يصدر عنهم من الاجتهادات فان هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله عز وجل ومع شريعته المطهرة هي أيضا صادرة عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل ولا عضدته شبهة تقبلها العقول وهي أيضا مخالفة لاجماع الأمة سلفها وخلفها فإن الصحابة ومن بعدهم في كل عصر من العصور ما زالوا يخطئون من خالف في اجتهاده ما هو انهض مما تمسك به ومن شك في ذلك وأنكره فهو لا يدري بما في بطون الدفاتر الاسلامية بأسرها من التصريح في كثير من المسائل بتخطئة بعضهم لبعض واعتراض بعضهم على بعض
واما الاستدلال من القائلين بهذه المقالة بمثل قصة داود وسليمان فهو عليهم لا لهم فإن الله سبحانه وتعالى صرح في كتابه العزيز بان الحق هو ما قاله سليمان ولو كان الحق بيد كل واحد منهما لما كان لتخصيص سليمان بذلك معنى
واما الاستدلال بمثل قوله تعالى « ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله » فهو خارج عن محل النزاع لأن الله سبحانه قد صرح في هذه الآية
بأن ما وقع منهم من القطع والترك هو بإذنه عز وجل فأفاد ذلك ان حكمه في هذه الحادثة بخصوصها هو كل واحد من الأمرين وليس النزاع الا فيما لم يرد النص فيه بخصوصه ان حكم الله فيه هو كل واحد من الأمرين وان حكمه على التخيير بين أمور يختار المكلف ما شاء منها كالواجب المخير أو ان حكمه يجب على الكل حتى يفعله البعض فيسقط عن الباقين كفروض الكفايات فتدبر هذا وافهمه حق فهمه
واما استدلالهم بتصويب كل طائفة ممن صلى قبل الوصول إلى بني قريظة لمن خشي فوت الوقت وممن ترك الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة امتثالا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يصلين أحد الا في بني قريظة فالجواب عنه كالجواب عما قبله على أن ترك التثريب لمن قد عمل باجتهاده لا يدل على أنه قد أصاب الحق بل يدل على أنه قد أجزاه ما عمله باجتهاده وصح صدوره عنه لكونه قد بذل وسعه في تحري الحق وذلك لا يستلزم ان يكن هو الحق الذي طلبه الله من عباده وفرق بين الإصابة والصواب فان إصابة الحق هو الموافقة بخلاف الصواب فإنه قد يطلق على من أخطأ ولم يصبه من حيث كونه قد فعل ما كلف به واستحق الأجر عليه وان لم يكن مصيبا للحق وموافقا له
وإذا عرفت هذا حق معرفته لم تحتج إلى زيادة عليه وقد حرر الصفي الهندي هذه المسألة وما فيها من المذاهب تحريرا جيدا فقال الواقعة التي وقعت اما ان يكون عليها نص أو لا فإن كان الأول فاما ان يجده المجتهد أو لا الثاني على قسمين لأنه اما ان يقصر في طلبه أو لا يقصر فان وجده وحكم بمقتضاه فلا كلام وان لم يحكم بمقتضاه فإن كان مع العلم بوجه دلالته
على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقا وان لم يكن مع العلم ولكن قصر في البحث عنه فكذلك وان لم يقصر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم يعثر على وجه دلالته
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 262
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٢