تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
واما ابن المنير فقال هو احتكام من قائله ثم هو تصوير بما لا يمكن عادة ولا شرعا اما عادة فلان القطع في الحوادث المستقلة لا سبيل إليه إذ هو عبث وعناد واما شرعا فلأن الصادق المعصوم قد أخبرنا بأن الأمة لا يتسلط عدوها عليها ليستأصل شأفتها قال وحاصل كلام الغزالي رد الاستدلال بها لتضييقه في قبولها باشتراط ما لا يتصور وجوده انتهى قال الزركشي وهذا تحامل منه فان الفقيه يفرض المسائل النادرة لاحتمال وقوعها بل المستحيلة لرياضة الافهام ولا حجة له في الحديث لان المراد به كافة الخلق وتصوير الغزالي انما هو في أهل محله بخصوصهم استولى عليهم الكفار لا جميع العالم وهذا واضح انتهى قال ابن دقيق العيد لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح لكن الاسترسال فيه وتحقيقها محتاج إلى نظر سديد وربما يخرج عن الحد وقد نقلوا عن عمر رضي الله عنه انه قطع لسان الحطيئة بسبب الهجو فان صح ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة وهذا يجر إلى النظر فيما يسمى مصلحة مرسلة قال وشاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها وكل هذا منكرات عظيمة الموقع في الدين واسترسال قبيح في أذى المسلمين انتهى ولنذكر ههنا فوائد لها بعض اتصال بمباحث الاستدلال الفائدة الأولى في قول الصحابي اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم واختلفوا هل يكون حجة على من بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم على أقوال الأول انه ليس بحجة مطلقا واليه ذهب الجمهور الثاني انه حجة شرعية مقدمة على القياس وبه قال أكثر الحنفية ونقل عن مالك وهو قديم قولي الشافعي الثالث انه حجة إذا انضم إليه القياس فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي وهو ظاهر قول الشافعي في الرسالة قال وأقوال الصحابة إذا تفرقوا نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الاجماع أو ما كان أصح في القياس وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له منه موافقه ولا مخالفة صرت في اتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا اجماعا ولا شيئا يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس انتهى وحكى القاضي حسين وغيره من أصحاب الشافعي عنه انه يرى في الجديد ان قول الصحابي حجة إذا عضده القياس وكذا حكاه عنه القفال الشاشي وابن القطان قال القاضي في التقريب انه الذي قاله الشافعي في الجديد واستقر عليه مذهبه وحكاه عنه المزني وابن أبي هريرة الرابع انه حجة إذا خالف القياس لأنه لا محمل له الا التوقيف وذلك القياس والتحكم في دين الله باطل فيعلم انه لم يقلد الا توقيفا قال ابن برهان في الوجيز وهذا هو الحق المبين قال ومسائل الإمامين أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تدل عليه انتهى ولا يخفاك ان الكلام في قول الصحابي إذا كان ما قاله من مسائل الاجتهاد اما إذا لم يكن منها ودل دليل عل التوقيف فليس مما نحن بصدده والحق انه ليس بحجة فان الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة الا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا الا رسول واحد وكتاب واحد وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه وسنة نبيه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية وباتباع الكتاب والسنة فمن قال إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة رسوله وما يرجع إليهما فقد قال في دين الله بما لا يثبت وأثبت في هذه الشريعة الاسلامية شرعا
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 243 | الشوكاني