ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم ولجاز ان يشرع في الدين في كل باب وان يخرج كل أحد لنفسه شرعا
قال جماعة من المحققين الحق انه لا يتحقق استحسان مختلف فيه لأنهم ذكروا في تفسيره أمورا لا تصلح للخلاف لأن بعضها مقبول اتفاقا وبعضها متردد بين ما هو مقبول اتفاقا وما هو مردود اتفاقا وجعلوا من صور الاتفاق على القبول قول من قال إن الاستحسان العدول عن قياس إلى قياس أقوى وقول من قال إنه تخصيص قياس بأقوى منه وجعلوا من المتردد بين القبول والرد قول من قال إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه لأنه ان كان معنى قوله ينقدح انه يتحقق ثبوته والعمل به واجب عليه فهو مقبول اتفاقا وان كان بمعنى انه شاك فهو مردود اتفاقا إذ لا تثبت الأحكام بمجرد الاحتمال والشك وجعلوا من المتردد ان أيضا قول من قال إنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس فقالوا ان كانت العادة هي الثابتة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد ثبت بالسنة وان كانت هي الثابتة في عصر الصحابة من غير انكار فقد ثبت بالاجماع واما غيرها فإن كان نصا وقياسا مما ثبت حجيته فقد ثبت ذلك به وان كان شيئا آخر لم تثبت حجيته فهو مردود قطعا وقد ذكر الباجي ان الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك وهو القول بأقوى الدليلين كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر قال وهذا هو الدليل فان سموه استحسانا فلا مشاحة في التسمية وقال ابن الأنباري الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان لا على ما سبق بل حاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي فهو يقدم الاستدلال المرسل على القياس ومثاله لو اشترى سلعة بالخيار ثم مات وله ورثه فقيل يرد وقيل يختار الامضاء قال اشهب القياس الفسخ ولكنا نستحسن ان أراد الامضاء ان يأخذ من لم يمض إذا امتنع البائع من قبوله نصيب الراد قال ابن السمعاني ان كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الانسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل ولا أحد يقول به ثم ذكر ان الخلاف لفظي ثم قال فان تفسير الاستحسان بما يشنع به عليهم لا يقولون به وان تفسير الاستحسان بالعدول عن دليل إلى دليل أقوى منه فهذا مما لم ينكره أحد عليه لكن هذا الاسم لا يعرف اسما لما جاء به وقد سبقه إلى مثل هذا القفال قال إن كان المراد
بالاستحسان ما دلت الأصول بمعانيها فهو حسن لقيام الحجة به قال فهذا لا ننكره ونقول به وان كان ما يقع في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجة دلت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ قال بعض المحققين الاستحسان كلمة يطلقها أهل العلم على ضربين أحدهما واجب بالاجماع وهو ان يقدم الدليل الشرعي أو العقلي لحسنه فهذا يجب العمل به لان الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع
والضرب الثاني ان يكون على مخالفة الدليل مثل ان يكون الشيء محظورا بدليل شرعي وفي عادات الناس التحسين فهذا عندنا يحرم القول به ويجب اتباع الدليل وترك العادة والرأي سواء كان ذلك الديل نصا أو اجماعا أو قياسا انتهى
فعرفت بمجموع ما ذكرنا ان ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه أصلا لأنه ان كان راجعا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار وان كان خارجا عنها فليس من الشرع في شيء بل هو من التقول على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة وبما يضادها أخرى
البحث الخامس
المصالح المرسلة قد قدمنا الكلام فيها في مباحث القياس وسنذكر ههنا بعض ما يتعلق بها تتميما للفائدة ولكونها قد ذكرها جماعة من أهل الأصول في مباحث الاستدلال ولهذا
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 241
مساهمون: الشوكاني
ص٢٤١