عن المنطقيين غير صحيح فإنهم يطلقون ذلك على الكلي لا على العام ورد بمنع كونه يعتبر في معنى العموم لغة هذا القيد بل يكفي الشمول سواء كان هناك أمر واحد أو لم يكن ومنشأ الخلاف هذا هو ما وقع من الخلاف في معنى العموم فمن قال معناه شمول أمر لمتعدد الا الموجود الذهني شخصيته منع من اطلاقه حقيقة على المعاني فلا يقال هذا معنى عام لأن الواحد بالشخص لا شمول له ولا يتصف بالشمول لمتعدد إلا الموجود الذهني ووحدته ليست بشخصية فيكون عنده إطلاق العموم على المعاني مجازا لا حقيقة كم صرح به الرازي ومن فهم من اللغة ان الأمر الواحد الذي أضيف إليه الشمول في معنى العموم أعم من الشخصي ومن النوعي أجاز اطلاق العام على المعاني حقيقة وقيل إن محل النزاع انما هو في صحة تخصيص المعنى العام كما يصح تخصيص اللفظ العام لا في اتصاف المعاني بالعموم وفيه بعد فان نصوص هؤلاء المختلفين مصرحة بأن خلافهم في اتصاف المعاني بالعموم
المسألة الثالثة هل يتصور العموم في الأحكام حتى يقال حكم قطع السارق عام أنكره القاضي وأثبته الجويني وابن القشيري وقال المازري الحق بناء هذه المسألة على أن الحكم يرجع إلى قول أو إلى وصف يرجع إلى الذات فان قلنا بالثاني لم يتصور العموم لما تقدم في الأفعال وان قلنا يرجع إلى قول فقوله سبحانه « السارق » يشمل كل سارق فنفس
القطع فعل والأفعال لا عموم لها قال القاضي أبو عبد الله الصيمري الحنفي في كتابه مسائل الخلاف في أصول الفقه دعوى العموم في الافعال لا تصح عند أصحابنا ودليلنا ان العموم ما اشتمل على أشياء متغايرة والفعل لا يقع الا على درجة واحدة وقال الشيخ أبو إسحاق لا يصح العموم الا في الألفاظ وأما في الافعال فلا يصح لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت اختص الحكم بها والا صار مجملا فما عرفت صفته مثل قول الراوي جمع بين الصلاتين في السفر فهذا مقصور على السفر ومن الثاني قوله في السفر فلا يدري انه كان طويلا أو قصيرا فيجب التوقف فيه ولا يدعي فيه العموم وقال ابن القشيري أطلق الأصوليون ان العموم والخصوص لا يتصور الا في الأقوال ولا يدخل في الافعال أعني في ذواتها فأما في أسمائها فقد يتحقق ولهذا لا نتحقق ادعاء العموم في أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال شمس الأئمة السرخسي ذكر أبو بكر الجصاص ان العموم حقيقة في المعاني والأحكام كما هو في الأسماء والألفاظ وهو غلط فإن المذهب عندنا انه لا يدخل المعاني حقيقة وان كان يوصف به مجازا قال القاضي عبد الوهاب في الإفادة الجمهور على أنه لا يوصف بالعموم الا القول فقط وذهب قوم من أهل العراق إلى أنه يصح ادعاؤه في المعاني والأحكام ومرادهم بذلك حمل الكلام على عموم الخطاب وان لم يكن هناك صيغة كقوله « حرمت عليكم الميتة » فإنه لما لم يصح تناول التحريم لها عمها بتحريم جميع التصرفات من الأكل والبيع واللمس وسائر أنواع الانتفاع وان لم يكن للأحكام ذكر في التحريم بعموم ولا خصوص وكذلك قوله ( انما الأعمال بالنيات ) عام في الاجزاء والكمال والذي يقوله أكثر الأصوليين والفقهاء اختصاصه بالقول وان وصفهم الجور والعدل بأنه عام مجاز انتهى فعرفت بما ذكرناه وقوع الخلاف في اتصاف الأحكام بالعموم كما وقع الخلاف في اتصاف المعاني به
المسألة الرابعة اعلم أن العام عمومه شمولي وعموم المطلق بدلي وبهذا يصح الفرق بينهما فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار ان موارده غير منحصرة فصح اطلاق اسم العموم عليه باعتبار الحيثية والفرق بين عموم الشمول وعموم البدل ان عموم الشمول كلي يحكم فيه على كل فرد فرد وعموم البدل كلي من حيث إنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد بل على فرد شائع في افراده يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 114
مساهمون: الشوكاني
ص١١٤