فلا بد ان تقول سألتني عن الرجال أو النساء فإذا قال عن الرجال فلا بد ان تقول سألتني عن العرب أو العجم فإذا قال عن العرب فلا بد ان تقول عن ربيعة أو مضر وهكذا إلى أن تأتي على جميع الاقسام الممكنة وذلك لأن اللفظ اما ان يقال إنه مشترك بين الاستغراق وبين مرتبة معينة في الخصوص أو بين الاستغراق وبين جميع المراتب الممكنة في الخصوص والأول باطل لأن أحدا لم يقل به والثاني يقتضي ان لا يحسن من المجيب ذكر الجواب الا بعد الاستفهام عن كل تلك الاقسام لأن الجواب لا بد ان يكون مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة فلوا أجاب قبل ان يعرف ما عنه وقع السؤال لاحتمل ان لا يكون الجواب مطابقا للسؤال وذلك غير جائز فثبت انه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات لكنها غير واجبة اما أولا فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر وإذا كان كذلك كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال واما ثانيا فإنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان انهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات واما انه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم والخصوص بمتفق عليه فبطلت هذه الثلاثة ولم يبق الا القسم الأول
الفرع الثاني في صيغة ما ومن في المجازاة فإنهما للعموم ويدل عليه ان قول القائل من دخل داري فأكرمه لو كان مشتركا بين العموم والخصوص لما حسن من المخاطب ان يجري على موجب الأمر الا عند الاستفهام عن جميع الاقسام لكنه قد حسن ذلك بدون استفهام فدل على عدم الاشتراك كما سبق في الفرع الذي قبل هذا وأيضا لو قال من دخل داري فأكرمه حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء من هذا الكلام وحسن ذلك معلوم من عادة أهل اللغة ضرورة والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك أنه لا نزاع ان المستثنى من الجنس يصح دخوله تحت المستثنى منه فإما ان لا يعتبر مع الصحة الوجوب أو يعتبر والأول باطل وإلا لم يبق فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر كقولك جاءني فقهاء الا زيدا وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقولك جاءني الفقهاء الا زيدا
والفرق بينهما معلوم بالضرورة من عادة العرب فعلمنا ان الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي اخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ وهو المطلوب
الفرع الثالث في أن صيغة كل وجميع يفيدان الاستغراق ويدل على ذلك انك إذا قلت جاءني كل عالم في البلد أو جميع علماء البلد فإنه يناقضه قولك ما جاءني كل عالم في البلد وما جاءني جميع علماء البلد ولذلك يستعمل كل واحد من هذين الكلامين في تكذيب الآخر والتناقض لا يتحقق الا إذا أفاد الكل الاستغراق لأن النفي عن الكل لا يناقض الثبوت في البعض وأيضا صيغة الكل والجميع مقابلة لصيغة البعض ولولا أن صيغتهما غير محتملة للبعض لم تكن مقابلة وأيضا إذا قال القائل ضربت كل من في الدار أو ضربت جميع من في الدار سبق إلى الفهم الاستغراق ولو كانت صيغة الكل أو الجميع مشتركة بين الكل والبعض لما كان كذلك لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر وإذا قال السيد لعبده اضرب كل من دخل داري أو جميع من دخل داري فضرب كل واحد ممن دخل لم يكن للسيد ان يعترض عليه بضرب جميعهم وله ان يعترض عليه إذا ترك البعض منهم ومثله لو قال رجل لرجل أعتق كل عبيدي أو جميع عبيدي ثم مات لم يحصل الامتثال الا بعتق كل عبد له ولا يحصل امتثاله بعتق البعض وأيضا لا يشك عارف بلغة العرب ان بين قول القائل جاءني رجال وجاءني كل الرجال وجميع الرجال فرقا ظاهرا وهو دلالة الثاني على الاستغراق دون الأول والا لم يكن بينهما فرق ومعلوم ان أهل اللغة إذا أرادوا التعبير عن
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 117
مساهمون: الشوكاني
ص١١٧