قال : ومن زعم أن الله لم يزل ، ومعه طينة مؤذية ، فلم يستطع التفصي منها ( 1 )
إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها ، فمن تلك الطينة خلق الأشياء !
قال : سبحان الله وتعالى ! ما أعجز إله يوصف بالقدرة ، لا يستطيع
التفصي من الطينة ! إن كانت الطينة حية أزلية ، فكانا إلهين قديمين فامتزجا
ودبرا العالم من أنفسهما ، فإن كان ذلك كذلك ، فمن أين جاء الموت والفناء ؟ وإن
كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم ، والميت لا يجئ منه حي ،
وهذه مقالة الديصانية ، أشد الزنادقة قولا ، وأمهنهم مثلا ، نظروا في كتب قد
صنفتها أوائلهم ، وحبروها بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت ، ولا حجة توجب
إثبات ما ادعوا ، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله ، بما جاءوا عن الله ، فأما
من زعم أن الأبدان ظلمة ، والأرواح نور ، وأن النور لا يعمل الشر ، والظلمة لا تعمل
الخير ، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية ، ولا ركوب حرمة ولا إتيان فاحشة
وأن ذلك عن الظلمة غير مستنكر ، لأن ذلك فعلها ، ولا له أن يدعو ربا ، ولا يتضرع
إليه ، لأن النور الرب ، والرب لا يتضرع إلى نفسه ، ولا يستعبد بغيره ، ولا لأحد
من أهل هذه المقالة أن يقول : ( أحسنت ) يا محسن أو ( أسأت ) لأن الإسائة من
فعل الظلمة ، وذلك فعلها ، والإحسان من النور ، ولا يقول النور لنفسه أحسنت
يا محسن ، وليس هناك ثالث ، وكانت الظلمة على قياس قولهم ، أحكم فعلا ،
وأتقن تدبيرا ، وأعز أركانا من النور ، لأن الأبدان محكمة ، فمن صور هذا الخلق
صورة واحدة على نعوت مختلفة ، وكل شئ يرى ظاهرا من الزهر ، والأشجار
والثمار ، والطير ، والدواب ، يجب أن يكون إلها ، ثم حبست النور في حبسها
والدولة لها ، وأما ما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور ، فدعوى ، وينبغي على
قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل ، لأنه أسير ، وليس له سلطان ، فلا فعل له
ولا تدبير ، وإن كان له مع الظلمة تدبير ، فما هو بأسير ، بل هو مطلق عزيز ،
فإن لم يكن كذلك ، وكان أسير الظلمة ، فإنه يظهر في هذا العالم إحسان ،
هامش
( 1 ) التفصي التخلص وتفصى عن الشئ بان عنه .