( فأماتهم الله ثم أحياهم )
قال : فأخبرني عمن قال : بتناسخ الأرواح ، من أي شئ قالوا ذلك ، وبأي
حجة قاموا على مذاهبهم .
قال : إن أصحاب التناسخ قد خلفوا ورائهم منهاج الدين ، وزينوا لأنفسهم
الضلالات ، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات ( 1 ) وزعموا أن السماء خاوية ما فيها
شئ مما يوصف ، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين ، بحجة من روى أن
الله عز وجل خلق آدم على صورته ، وأنه لا جنة ولا نار ، ولا بعث ولا نشور ،
والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر ، فإن كان محسنا في
القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلى درجة من الدنيا ، وإن كان
مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا ، أو هوام مشوهة الخلقة
وليس عليهم صوم ولا صلاة ، ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليهم
معرفته ، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم ، من : فروج النساء ، وغير ذلك ،
من الأخوات ، والبنات ، والخالات ، وذوات البعولة ، وكذلك الميتة ، والخمر ،
والدم ، فاستقبح مقالتهم كل الفرق ، ولعنهم كل الأمم ، فلما سئلوا الحجة زاغوا
وحادوا ، فكذب مقالتهم التوراة ، ولعنهم الفرقان ، وزعموا مع ذلك أن إلههم
ينتقل من قالب إلى قالب ، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم ، ثم هلم
جرا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر ، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق
فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه ؟ ! وقالوا : أن الملائكة من ولد آدم
كل من صار في أعلى درجة من دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك
فطورا تخالهم نصارى في أشياء ، وطورا دهرية يقولون : أن الأشياء على غير
الحقيقة ، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان ، لأن الذرات عندهم
كلها من ولد آدم حولوا من صورهم ، فلا يجوز أكل لحوم القربات .
هامش
( 1 ) أمرج الدابة : تركها تذهب حيث شاءت .