كذلك خلقها الحكيم فأمر العباد بقطعها ، وفي تركها فساد بين للمولود والأم ،
وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم ، وكان قادرا يوم دبر خلق الإنسان
أن يخلقها خلقة لا تطول ، وكذلك الشعر من الشارب والرأس ، يطول فيجز ،
وكذلك الثيران خلقها الله فحولة ، وإخصاؤها أوفق ، وليس في ذلك عيب في
تقدير الله عز وجل .
قال : ألست تقول : يقول الله تعالى : ( ادعوني أستجب لكم ) وقد نرى
المضطر يدعوه فلا يجاب له ، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره ؟
قال : ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له ، أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن
يتوب إليه ، وأما المحق فإنه إذا دعاه استجاب له ، وصرف عنه البلاء من حيث
لا يعلمه ، أو ادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه ، وإن لم يكن الأمر الذي
سأل العبد خيرا له إن أعطاه أمسك عنه ، والمؤمن العارف بالله ربما عز عليه أن يدعوه
فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ ، وقد يسأل العبد ربه هلاك من لم ينقطع مدته
أو يسأل المطر وقتا ولعله أوان لا يصلح فيه المطر ، لأنه أعرف بتدبير ما خلق
من خلقه ، وأشباه ذلك كثيرة فافهم هذا .
قال : أخبرني أيها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد ،
ولا يصعد من الأرض إليها بشر ، ولا طريق إليها ، ولا مسلك ، فلو نظر العباد في
كل دهر مرة من يصعد إليها وينزل لكان ذلك أثبت في الربوبية ، وأنفى للشك
وأقوى لليقين ، وأجدر أن يعلم العباد أن هناك مدبرا إليه يصعد الصاعد ، ومن
عنده يهبط الهابط .
قال : إن كل ما ترى في الأرض من التدبير إنما هو ينزل من السماء ، ومنها
يظهر ، أما ترى الشمس منها تطلع ، وهي نور النهار ، وفيها قوام الدنيا ، ولو حبست
حار من عليها ، وهلك ، والقمر منها يطلع ، وهو نور الليل ، وبه يعلم عدد السنين
والحساب ، والشهور والأيام ، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير ، وفي السماء
النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر ، والبحر ، ومن السماء ينزل الغيث الذي فيه
الاحتجاج — صفحة 87
مساهمون: أحمد بن علي الطبرسي
ص٨٧