فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية .
ثم رجع إلى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم ، ونادى منادي معاوية أن قد
برئت الذمة ممن يروي حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته ، وكان أشد الناس
بلية أهل الكوفة ، لكثرة من بها من الشيعة ، فاستعمل زياد ابن أبيه وضم إليه العراقين :
الكوفة والبصرة ، فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ، يقتلهم تحت كل حجر ومدر
وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وصلبهم في جذوع النخل ، وسمل أعينهم ،
وطردهم وشردهم ، حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور ، فهم
بين مقتول أو مصلوب ، أو محبوس ، أو طريد ، أو شريد .
وكتب معاوية إلى جميع عماله في جميع الأمصار : أن لا تجيزوا لأحد من
شيعة علي وأهل بيته شهادة ، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل
بيته وأهل ولايته ، والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم ،
وأكرموهم ، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم أبيه وقبيلته ، ففعلوا ، حتى
كثرت الرواية في عثمان ، وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع
والقطايع ، من العرب والموالي ، وكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في الأموال
والدنيا ، فليس أحد يجئ من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة
إلا كتب اسمه ، وأجيز ، فلبثوا بذلك ما شاء الله .
ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر ،
فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه ، فإن ذلك أحب إلينا ، وأقر
لأعيننا ، وأدحض لحجة أهل هذا البيت ، وأشد عليهم ، فقرأ كل أمير وقاض كتابه
على الناس ، فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة وكل
مسجد زورا ، وألقوا ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم ، كما يعلمونهم
القرآن ، حتى علموه بناتهم ونساؤهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله .
وكتب زياد بن أبيه إليه في حق الحضرميين : أنهم على دين علي ، وعلى رأيه
فكتب إليه معاوية : أقتل كل من كان على دين علي ورأيه فقتلهم ومثل بهم .
الاحتجاج — صفحة 17
مساهمون: أحمد بن علي الطبرسي
ص١٧