فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وفسق آخرون ( 1 ) ، كأنهم
لم يسمعوا الله سبحانه وتعالى يقول : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون
علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ( 2 ) " بلى والله لقد سمعوها ووعوها ،
ولكن حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ( 3 ) .
أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة
بوجود الناصر ، وما أخذ الله على أولياء الأمر : أن لا يقروا على كظة ظالم ، ولا
سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم
دنياكم عندي أهون من عفطة عنز .
قال : فقام إليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا فقطع كلامه ، فأقبل
ينظر إليه فرغ من قرائته ، قال ابن عباس : قلت له : يا أمير المؤمنين لو
أطردت مقالتك من حيث أفضيتها .
قال : يا بن عباس هيهات هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت .
قال ابن عباس : فما أسفت على شئ ولا تفجعت كتفجعي على ما فاتني من
كلام أمير المؤمنين عليه السلام .
وأمثال هذه الأخبار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة ، أوردنا طرفا
منها للإيجاز والاختصار .
ومما يوضح ما أثبتناه ما روي عن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله أنها قالت :
كنا عند رسول الله تسع نسوة ، وكانت ليلتي ويومي من رسول الله صلى الله عليه وآله
فأتيت الباب فقلت أدخل يا رسول الله صلى عليه وآله ؟ فقال : لا .
هامش
( 1 ) مروق السهم : خروجه من الرمية .
المراد بالناكثين للبيعة هم : طلحة والزبير بايعوا ثم نكثوا البيعة . والمارقين هم :
الخوارج والقاسطين أصحاب معاوية .
( 2 ) القصص : 83
( 3 ) الزبرج - بكسر الزاء والراء - : الزينة .