فأجابه معاوية هذا إلى الزارئ ( 1 ) على أبيه محمد بن أبي بكر ، سلام على
أهل طاعة الله ، أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه
مع كلام ألفته ورصفته ( 2 ) لرأيك فيه ، وذكرت حق علي وقديم سوابقه وقرابته
من رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته ومواساته إياه في كل خوف وهول ، وتفضيلك عليا
وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك ، فالحمد لله الذي صرف ذلك عنك وجعله لغيرك
وقد كنا وأبوك معنا في زمن نبينا صلى الله عليه وآله نرى حق علي عليه السلام لازما لنا ، وسبقه مبرزا
علينا ، فلما اختار الله لنبيه ما عنده وأتم له ما وعده ، قبضه الله إليه ، وكان أبوك
وفاروقه أول من ابتزه ( 3 ) وخالفه على ذلك ، واتفقا ثم دعواه على أنفسهما ،
فأبطأ عليهما ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ، فبايع وسلم لأمرهما ، لا يشركانه
في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما ، حتى قضى الله من أمرهما ما قضى ، ثم قام
بعدهما ثالثهما يهدي بهداهما ، ويسير بسيرتهما ، فعبته أنت وأصحابك حتى طمع
فيه الأقاصي من أهل المعاصي حتى بلغتما منه مناكما ، وكان أبوك مهد مهاده
فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله ، وإن يك جورا فأبوك سنه ، ونحن شركائه
وبهداه اقتدينا ، ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا له ، ولكنا
رأينا أباك فعل ذلك فأخذنا بمثاله ، فعب أباك أو دعه ، والسلام على من تاب وأناب .
* * *
احتجاجه ( ع ) على الخوارج * لما حملوه على التحكم ثم أنكروا عليه
ذلك ونقموا عليه أشياء فأجابهم ( ع ) عن ذلك بالحجة وبين لهم أن الخطأ من
قبلهم بل وإليهم يعود .
هامش
( 1 ) زرى عليه عمله : عابه عليه .
( 2 ) رصف الحجارة : ضم بعضها إلى بعض .
( 3 ) ابتز منه الشئ : استلبه قهرا .
* قال الشهرستاني - في الملل والنحل - :
الخوارج : كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا
سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين ، أو كان بعدهم على التابعين
بإحسان ، والأئمة في كل زمان . " قال " اعلم : أن أول من خرج على أمير المؤمنين على
ابن أبي طالب ( ع ) جماعة ممن كان معه في حرب صفين ، وأشدهم خروجا عليه ومروقا
من الدين ( الأشعث بن قيس ) و ( مسعود بن فدكي التميمي ) و ( زيد بن حصين الطائي )
حين قالوا : ( القوم يدعوننا إلى كتاب الله وأنت تدعونا إلى السيف ) حتى قال : أنا
أعلم بما في كتاب الله انفروا إلى بقية الأحزاب انفروا إلى من يقول : كذب الله
ورسوله وأنتم تقولون : صدق الله ورسوله قالوا : لترجعن الأشتر عن قتال المسلمين وإلا
لنفعلن بك كما فعلنا بعثمان فاضطر إلى رد الأشتر بعد أن هزم الجمع وولوا مدبرين ، وما
بقي منهم إلا شرذمة قليلة فيهم حشاشة قوة ، فامتثل الأشتر أمره ، وكان من أمر الحكمين
أن الخوارج حملوه على التحكم أولا ، وكان يريد أن يبعث عبد الله بن عباس فما رضي
الخوارج بذلك وقالوا : هو منك ، فحملوه على بعث أبي موسى الأشعري - على أن
يحكما بكتاب الله تعالى - فجرى الأمر على خلاف ما رضي به فلما لم يرض بذلك خرجت
الخوارج عليه وقالوا : لم حكمت الرجال ؟ ولا حكم إلا الله .