لأهل الشام أن في دعابة ( 1 ) وأني امرء تلعابة ( 2 ) أعانس ( 3 ) وأمارس ( 4 )
لقد قال باطلا ونطق آثما ، أما وشر القول الكذب ، إنه يقول فيكذب ويعد فيخلف
ويسأل فيحلف ، ويسأل فينجل ويخون العهد ، ويقطع الإل ( 5 ) فإذا كان عند
الحرب فأي زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السيوف ما أخذها ، فإذا كان ذلك كان
أكبر مكيدته أن يمنح القوم أسته ( 6 ) أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت
وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة ، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن
يؤتيه على البيعة آية ( 7 ) ويرضخ له على ترك الدين رضيخة ( 8 ) .
* * *
وكتب محمد بن أبي بكر ( 9 ) إلى معاوية احتجاجا عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن أبي بكر ، إلى الغاوي معاوية بن صخر ، سلام الله على أهل
طاعة الله ممن هو أهل دين الله وأهل ولاية الله .
هامش
( 1 ) الدعابة - بالضم - : المزاح .
( 2 ) تلعابة - بالكسر - : أي كثير اللعب
( 3 ) العفاس - بالكسر - اللعب . وفي بعض النسخ ( أعارس ) من أعرس
الرجل إذا دخل بامرأته .
( 4 ) الممارسة : المزاولة والملاعبة .
( 5 ) الإل : - بالكسر - العهد والقرابة
( 6 ) الأست : العجز أو حلقة الدبر ، أشار عليه السلام إلى ما ذكر أرباب
السير وصار مضربا للأمثال من كشفه سوئته شاخرا برجليه حين لقيه أمير المؤمنين
عليه السلام في بعض أيام صفين ، وقد اختلطت السيوف ، واشتد نار الحرب فانصرف
عنه أمير المؤمنين ( ع ) .
( 7 ) أي العطية .
( 8 ) الرضخ : العطاء القليل
( 9 ) محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة . وأمه أسماء بنت عميس مر لها ذكر في
هامش ص 125 ولد بالبيداء في حجة الوداع .
روي أن أبا بكر خرج في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة فرأت أسماء بنت
عميس وهي تحته كان أبا بكر متخضب بالحناء رأسه ولحيته ، وعليه ثياب بيض ، فجاءت
إلى عائشة فأخبرتها ، فبكت عائشة وقالت : إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر إن خضابه
الدم وأن ثيابه أكفانه ، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهي كذلك فقال : ما أبكاها ؟ فذكروا
الرؤيا . فقال : ليس كما عبرت عائشة ولكن يرجع أبو بكر ، فتحمل منه أسماء بغلام
تسميه محمدا يجعله الله تعالى غيظا على الكافرين والمنافقين .
قال ابن أبي الحديد : ونشوه في حجر أمير المؤمنين عليه السلام وأنه لم يكن يعرف
أبا غير على ، حتى قال أمير المؤمنين عليه السلام : محمد ابني من صلب أبي بكر ، وكان
يكنى ( أبا القاسم ) وكان من نساك قريش ، وكان ممن أعان في يوم الدار ، ومن ولده
( القاسم بن محمد ) فقيه أهل الحجاز وفاضلها ، ومن ولد القاسم ( عبد الرحمن ) من فضلاء
قريش ويكنى ( أبا محمد ) ومن ولد القاسم أيضا أم فروة تزوجها الإمام الباقر أبو جعفر
محمد بن علي ( ع ) .
وكان من حواري أمير المؤمنين عليه السلام ، وخواصه واحد المحامدة التي تأبى
أن يعصى الله .
وروي عن حمزة بن محمد الطيار قال : ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد الله ( ع )
فقال أبو عبد الله ( ع ) : رحمه الله وصلى عليه ، قال لأمير المؤمنين ( ع ) - يوما من
الأيام - : أبسط يدك أبايعك ، فقال : أو ما فعلت ؟ قال : بلى ، فبسط يده فقال :
أشهد أنك إمام مفترض طاعتك وأن أبي في النار . فقال أبو عبد الله عليه السلام : كان
النجابة من أمه أسماء بنت عميس رحمة الله عليها لا من قبل أبيه . وعن زرارة بن أعين
عن أبي جعفر ( ع ) : أن محمد بن أبي بكر بايع عليا عليه السلام على البراءة من أبيه .
وعن شعيب عن أبي عبد الله ( ع ) قال : سمعته يقول : ما من أهل بيت إلا ومنهم
نجيب من أنفسهم ، وانجب النجباء من أهل ( بيت سوء ) محمد بن أبي بكر .
وينسب إليه قوله :
يا أبانا قد وجدنا ما صلح * خاب من أنت أبوه وافتضح
إنما أنقذني منك الذي * أنقذ الدر من الماء الملح
يا بني الزهراء أنتم عدتي * وبكم في الحشر ميزاني رجح
وإذا صح ولائي فيكم * لا أبالي أي كلب قد نبح
وقتل بمصر قتله معاوية بن خديج - وكان فيها واليا من قبل أمير المؤمنين ( ع ) -
ثم وضعه في جوف حمار ميت وأحرقه .
ولما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام قتل محمد بن أبي بكر حزن لذلك حزنا شديدا
حتى ظهر ذلك عليه وتبين في وجهه ، وقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه إلى أن قال : ألا
وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمة الله عليه وعند الله نحتسبه . .
وقيل له ( ع ) قد جزعت على محمد جزع شديدا يا أمير المؤمنين فقال : وما يمنعني
أنه كان لي ربيبا وكان لبني أخا ، وكنت له والدا ، أعده ولدا .
ولما سمعت أمه أسماء بقتله كظمت غيظها حتى شخبت ثدياها دما .
وكان استشهاد سنة ( 37 ) هجرية .
سفينة البحار ج 1 ص 312 ، رجال الكشي ص 60 ، خلاصة العلامة ص 138 ،
النجوم الزاهرة ج 1 ص 110 .