فصدع بما أمر به ( 1 ) وبلغ رسالات ربه ، فلم به الصدع ( 2 ) ورتق به الفتق ( 3 )
وأمن به السبل ( 4 ) وحقن به الدماء ( 5 ) وألف بين ذوي الأحن ( 6 ) والعداوة
والوغر في الصدور ، والضغائن الراسخة في القلوب ، ثم قبضه الله إليه حميدا لم
يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة ، ولا بلغ شيئا كان في التقصير عنه عند الفقد
وكان من بعده ما كان من التنازع في الأمرة ، وتولى أبو بكر ، وبعده عمر ، ثم
عثمان ، فلما كان من أمره ما كان أتيتموني فقلتم : " بايعنا " فقلت : " لا أفعل "
فقلتم : " بلى " فقلت : " لا " وقبضت يدي فبسطتموها ، ونازعتكم فجذبتموها ،
وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها ، حتى ظننت أنكم قاتلي
وأن بعضكم قاتل بعض ، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين ، وبايعني في أولكم
طلحة والزبير طائعين غير مكرهين ، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة ، والله يعلم
أنهما أرادا الغدرة ، فجددت عليهما العهد في الطاعة ، وأن لا يبغيا للأمة الغوائل ،
فعاهداني ، ثم لم يفيا لي ، ونكثا بيعتي ، ونقضا عهدي ، فعجبا من انقيادهما لأبي بكر
وعمر ، وخلافهما لي ولست بدون أحد الرجلين ، ولو شئت أن أقول لقلت :
" اللهم اغضب عليهما بما صنعا وظفرني بهما " .
وقال : عليه السلام في أثناء كلام آخر .
وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة ، ولا من ذرية الرسول ، حين رأيا
أن قد رد علينا حقنا ، بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا ، ولا شهرا كاملا ، حتى
وثبا علي ، دأب الماضين قبلهما ، ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني ، ثم
دعا عليهما .
هامش
( 1 ) صدع بالأمر : أبانه وأظهره
( 2 ) الصدع : الكسر .
( 3 ) الرتق : ضد الفتق وهو : الالتيام .
( 4 ) السبل : الطرق .
( 5 ) حقنت دمه : خلاف هدرته ، كأنك جمعته في صاحبه .
( 6 ) الأحن : الضغائن .