غيره ، وما منهم إلا من أنهضته للدين القويم غيرة . كلا والله ، وأقسم بالله وتالله ،
بل مكفزهم هو الكافر ، والحائد عن سبيلهم هو المنافق الفاجر ، وهم أهدى سبيلا ،
وأقوم قيلا . وقد قال عليه الصلاة والسلام : " اقتدوا بمن بعدي ، أبي بكر وعمر " .
وإذا قدحت في هذا الجمع من الصحابة الذين منهم عثمان بن عفان وعلي ابن أبي طالب
وغيرهما ، فمن أين وصل لك هذا الدين ، و [ من ] رواه لك مبلغا عن سيد المرسلين ؟ ثم
ما تصنع يا هذا في الحديث الآخر الذي رواه مسلم في صحيحه مرفوعا للنبي صلى الله
عليه وسلم في أويس ، وأنه أخبر به عليه الصلاة والسلام وهو من أعلام النبوة ، وأمر عمر
بطلب الاستغفار منه ، وأنه طلب منه ذلك واستغفر له . وقد قال الله تعالى عن إخوة يوسف
عليه السلام : " يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين " ( 1 ) .
فالزائر للأولياء والصالحين إما أن يدعو الله لحاجته ، ويتوسل بسر ذلك الولي في إنجاح
بغيته ، كفعل عمر في الاستسقاء ، أو يستمد من المزور الشفاعة له وإمداده بالدعاء ،
كما في حديث أويس القرني ، إذ الأولياء والعلماء كالشهداء أحياء في قبورهم ، إنما
انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء .
فأي حرج بعد هذا يا أيها القائم للدين ، في زيارة الأولياء والصالحين ؟ وأي منكر
تقوم بتغييره ، وتقتحم شق العصا وإضرام سعيره ؟ ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون
أنواعا كثيرة من الشفاعة ، ولا يثبتونها إلا لأهل الطاعة ، كما أنه يلوح من كتابك
إنكار كرامات الأولياء ، وعدم نفع الدعاء ، وكلها عقائد عن السنة زائغة ، وعن
الطريق المستقيم رائغة .
وقولكم إن ما قلتموه لا يخالف فيه أحد من المسلمين ، افتراء ومين ، وإلحاد في
الدين ، لأن أهل السنة والجماعة ، يثبتون لغير الأنبياء الشفاعة ، كالعلماء والصلحاء
وآحاد المؤمنين ، فمنهم من يشفع للقبيلة ومنهم من يشفع للفئام من الناس ، كما ورد
أيضا أن أويس القرني يشفع في مثل ربيعة ومضر . وأما المعتزلة فإنهم منعوا شفاعة غير
النبي صلى الله عليه وسلم ، وأثبتوا الشفاعة العظمى من هول الموقف ، والشفاعة للمؤمنين
المطيعين أو التائبين في رفع الدرجات ، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر الذين لم يتوبوا ،
في النجاة من النار ، بناء على مذهبهم الفاسد من التكفير بالذنوب ، وأنه يجب عليها التعذيب .
هامش
( 1 ) س 12 / آ 97