وهو أن المنكر الذي اقتضى نظرك تغييره ، ليس متفقا عليه عند أهل البصيرة ، وأنه من
مدارك الاجتهاد ، وقد سقط عنك القيام فيه والانتقاد . ثم بعد الوصول إلى هذا المقام ،
أعد نظرا في إيقاد نار الحرب بين أهل الإسلام ، واستباحة المسجد الحرام ، وإخافة أهل
الحرمين الشريفين ، والاستهوان لإصابة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، فسيتضح
لك أنك غيرت المنكر في زعمك ، وبحسب اعتقادك وفهمك ، وأتيت بجمل كثيرة
من المناكر ، وطائفة عديدة من الكبائر ، آذيت بها نفسك والمسلمين ، وابتغيت بها
غير سبيل المؤمنين ، وتعرضت بها لاذاية الأولياء والصالحين ، وقد قال النبي عليه الصلاة
والسلام ، في حديث رواه البخاري والإمام ، قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إن الله عز وجل قال من عادى لي وليا فقد آذنني بحرب " ، فكفى بالتعرض لحرب
الله خطرا ، وقذفا في العطب وضررا .
وأما إنكار زيارة القبور ، فأي حرج فيها أو محظور ، وأي ذميمة تطرقها أو تعروها ،
مع ثبوت حديث " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " ، فإن هذا الحديث ناسخ
لما ورد من النهي عن زيارتها ، وماح لما في أول الإسلام من حماية الأمة من أسباب
ضلالتها ، لقرب عهدها بجاهليتها ، وعبادة أصنامها وآلهتها . وكيف تمنع من زيارتها ،
والنبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها ، وسام رياضها وأربعها ، فقد ثبت في حديث
عائشة أم المؤمنين ، أنه صلى الله عليه وسلم زار بقيع الغرقد واستغفر فيه لموتى المسلمين ،
وثبت أيضا أنه زار قبر أمه آمنة بنت وهب واستغفر لها .
وأخذ بذلك الصحابة والتابعون ، ودرج عليه العلماء والسلف الماضون ، فقد ثبت في
الأحاديث المروية عن أئمة الهدى ، ونجوم الاقتداء ، أن فاطمة سيدة نساء العالمين زارت
عمها سيد الشهداء ، وذهبت من المدينة إلى جبل أحد ، ولم ينكر من الصحابة أحد ،
وهم إذ ذاك بالمدينة متآمرون ، وعلى إقامة الدين متناصرون . أفتجعل هؤلاء أيضا
مبتدعين ، وأنهم سكتوا عن الابتداع في الدين ؟ كلا والله ، بل يجب علينا اتباعهم ،
ومن أدلة الشريعة إجماعهم .
وقد مضت على ذلك العلماء في جميع الأقطار ، وانتدبوا بأنفسهم للاستمداد من
قبور الصلحاء ، وقضاء الأوطار ، وخلدوا ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم ، وسطروه في
إتحاف أهل الزمان — صفحة 11
مساهمون: عمر غامسوري
ص١١