الضرائح ، بدم تلك الذبائح ، ولا يأتون بفعل من الأفعال ، الحاكمة على تحريم
الذبيحة والاهلال .
وأما نذرها لتلكم المزارات ، فليس على أنها من باب الديانات ، ولا أن من لم
يفعل ذلك يكن ناقص الدين في العادات ، وإنما يقصدون بذلك مقاصد الرقي
والنشر ( 1 ) ، والانتفاع في الدنيا بسر في التصدق بها استتر ، ولم يدر منها إلا ما اشتهر .
والواجب علينا وعليكم الرجوع في حكم نذرها إلى العلماء الأعلام ، المتضلعين من
دراية الأحكام ، المقيمين لقسطاسها ، المسرجين لنبراسها ، الناقبين على أساسها ، ومن
لديهم محك عسجدها ونحاسها .
فإن كنتم للحق تقيمون ، ومن مخالفة الشريعة تتجرمون ، " فاسألوا أهل الذكر
إن كنتم لا تعلمون " ، " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون " ،
فإنهم يهدونكم السبيل ، ويفتونكم في هذه المسألة بالتفصيل ، وأن هذا الناذر إن نذر
تلك الذبائح للولي المعين بلفظ الهدي والبدنة ، فقد جاء بالسيئة مكان الحسنة . ولكن
ما رأينا من خلع في هذا المحظور رسنه ، ولا من اهتصر فننه ، وإن نذر تلك
الذبائح لمحل الزيارة ، بغير هاته العبارة ، وكان من الذبائح التي تقبل أن تكون هديا ،
فهل يلزمه أن يسعى به لذلك المزار سعيا ، أو لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه رعيا ،
خلاف في مذهب مالك شهير ، قرره العلماء النحارير . وإن كان ذلك النذر مما لا
يصح إهداؤه ، فالقاصد للفقراء الملازمين بمحل الشيخ يلزمه بعثه وإنهاؤه ، والقاصد
للولي في نذره وتشرعه ( 2 ) ، لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه .
وإذا اتضح لديك الحال ، فأي داعية للحرب والقتال ؟ وهل يتميز المشروع من هذه
الصور بالمحظور ، إلا بالنيات التي لا يعلمها إلا العالم بما في الصدور ؟ والله إنما
كلفنا بالظاهر ، ووكل إليه أمر السرائر . ولم يقيض بالخواطر نقيبا ، ولا جعل عليها
مهيمنا من الولاة ولا رقيبا .
هامش
( 1 ) النشرة بضم النون : ضرب من الرقية والعلاج ، يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن
( النهاية لابن الأثير )
( 2 ) تشرع : 1 تبع شريعة أو دينا ( دوزى )