وإذا التزمت سد الذريعة بالمنع من المشروع ، خوفا من الوقوع في الممنوع ، فالتزم
هذا الالتزام ، في سائر العبادات الواقعة في الإسلام ، التي لا تفرقة فيها بين المسلم
والكافر ، إلا بما انطوت عليه الضمائر . فإن المصلي في المسجد يحتمل أن يقصد عبادة
الحجارة ، بمثل ما احتمل صاحب الذبائح والزيارة ، والصائم يحتمل أن يقصد بصومه
تصحيح المزاج ، أو المداواة والعلاج ، والمزكي يحتمل أن يقصد مقصدا دنيويا ، أو
معبودا جاهليا ، والمحرم بحج أو عمرة ، يحتمل أن ينوي ما يوجب كفره .
وإذا وصلت إلى هذا الالتزام ، نقضت سائر دعائم الإسلام ، والتبس أهل الكفر
بأهل الإيمان ، وأفضى الحال إلى هدم جميع الأركان ، واستبيحت دماء جميع
المسلمين ، وهدمت صلواتهم ومساجدهم وصوامعهم أجمعين .
فانظر أيها الإنسان ، ما هذا الهذيان ، وكيف لعب بك الشيطان ، وماذا أوقعك
فيه من الخسران . فارجع عن هذا الضلال المبين ، وقل ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر
لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين .
وأما ما جلبتم من الأحاديث الواردة في تغيير النبي صلى الله عليه وسلم للقبور ،
وأنه أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بطمسها وتسويتها ، فقد أخطأتم الطريق في
فهمها ، ولم يأتكم نبأ علمها ، ولو سألتم عن ذلك ذويه ، لأخبروكم بأن محمله
طمس ما كانت الجاهلية عليه ، وكانت عادتهم إذا مات عظيم من عظمائهم ، بنوا
على قبره بناء كأطم من آطامهم ، مباهاة وفخرا ، وتعاظما وكبرا ، فبعث صلى الله
عليه وسلم من يمحو من الجاهلية آثارها ، ويطمس مباهاتها وفخارها ، وإلا فلو كان
كما ذكرتم ، لكان حكم التسنيم ( 1 ) كحكم ما أنكرتم .
وإذا استبان لكم واتضح لديكم ، انقلبت الحجة التي أتيتم بها عليكم ، وكيف
تجعلون تلك الأحاديث حجة قاضية ، على وجوب كون القبور ضاحية ( 2 ) ، والفرق
ظاهر بين البناء على القبور ، وحفر القبور تحت البناء ، فالأول من فعل الجاهلية الوارد
فيه ما ورد ، والثاني هو الذي يعوزكم فيه المستند ، ولا يوافقكم على تعميم النهي أحد .
هامش
( 1 ) تسنيم القبر خلاف تسطيحه ، وقبر مسنم إذا كان مرفوعا عن الأرض ( اللسان ) .
( 2 ) الضاحي من كل شئ البارز الظاهر ( اللسان ) .