" قال : نعم .
" قال : بكم .
قال : بستين ألف دينار ، ولولا خلة أصابت الحي لم أبعها .
" قال : لقد اغليت .
" قال : أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمأة ألف دينار ! ثم لم تبال !
" قال : أجل ، وإذ بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي نفسه .
فقال : قال أبي :
" يا ليت شعري حين أندب هالكا . . . " الخ .
" فقال : أنا كنت بهذا العشر أولى من أبيك .
" قال : كذبت ، ولؤمت !
" قال : أما " كذبت " فنعم ! وأما " لؤمت فلم ؟
" قال : " لأنك كنت ميت الحق في الجاهلية ، وميته في الإسلام . أما في -
الجاهلية فقاتلت النبي ( ص ) والوحي حتى جعل كيدك المردود ، وأما في الإسلام
فمنعت ولد رسول الله ( ص ) الخلافة ، وما أنت وهي وأنت طليق بن طليق ؟ . . . "
كذلك كان معاوية في بيته وفي نسبه ، وباعتبار نفسه وحسبه ، وكان معاندا
كأبيه وأمه رسول الإسلام ولما فتحت مكة عام 8 وصار طليقا دخل في الإسلام قهرا .
وفي خلافة عمر ( رض ) صار بأمره أميرا على الشام ولكنه خالف في أمارته سيرة الخليفة ،
حتى قال عمر ( رض ) حين وروده بالشام وشهوده دبدبته وكبكبته وخدمه وحشمه :
هذا كسرى العرب ! " وعنفه على ذلك وعيره ، ولكنه ما غيره ، بل استحسن
بهذا القول عمله وقرره 1 .
هامش
1 - ولا تعجب من كلام مصحح " العواصم حيث استصح كسروية معاوية بما قال :
" وقد يظن من لأنظر له في حياة الشعوب وسياستها إن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد
أن يكون ، حيثما يكون ، وهذا خطأ فللبيئة من التأثير في الحاكم ! وفي نظام الحكم !
أكثر مما للحاكم ونظام الحكم من التأثير على البيئة ! . . . " وذلك لأنه وأضرابه ينظرون
إلى الإسلام نظر من لا يرى أن الحكومة المطلقة في جميع الشؤون وفي كل المناطق والبيئات
لا بد وأن تكون لله ولرسوله وللقرآن والإسلام ، فلا حكومة إلا حكومة الإسلام ، ولا نظام
إلا نظامه . الإسلام يصوغ البيئة ، ويسوق الناس على وفق أحكامه ، ولا معنى لتأثيرها
في حكامه . ثم كان المصحح نسي أو تناسى ما قال للدفاع عن معاوية فقال في التعليق الطوال
الذي عقله على كلام المصنف ( وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية - ص 207 ) : " والذين
لا يعرفون سيرة معاوية ! يستغربون إذا قلت لهم ، إنه كان من الزاهدين ! والصفوة - الصالحين ! ) ثم روى عن أبي حملة أنه قال : " رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب -
الناس وعليه ثوب مرقوع ! وأكد ذلك برواية أخرى عن يونس بن ميسر أنه قال : " رأيت
معاوية في سوق دمشق وهو مردف ورائه وصيفا ! وعلى قميص مرقوع الجيب ! يسير
في أسواق دمشق ! " فانظر هذه الروايات وتأسف وقل : " ويحك يا مسكين ! يا كسرى -
العرب ! الدهر أنزلك حتى أردفت وصيفك ! ولبست قميصا مرقوع الجيب ! كأنك نسيت
إنك في الشام وفي بيئة لا بد أن يحكم عليك نظامه القيصري ! "