العهد القديم والإنجيل ، وبالمواعد التي لا رجعة فيها لإسرائيل ، وبدور إسرائيل في تاريخ الخلاص .
فتكون الرسالة إلى أهل رومة على وجه ما ، في ميدان العقيدة ، مقابل الجهد الذي بذله بولس في
ميدان العمل لتنظيم جمع صدقات غايتها سد حاجات الجماعة المسيحية من أصل يهودي ، وإظهار
التضامن القائم بين المؤمنين من أصل وثني والمؤمنين من فلسطين .
أصحيح يا ترى ، كما يشاع على العموم ، أن أحوال الذين كتبت إليهم الرسالة أولا لم تؤثر في
معنى هذه الرسالة ولا مبناها ؟ إن صح ذلك ، كانت الرسالة إلى أهل رومة خروجا على القاعدة في
تراث بولس الأدبي ، لأن سائر رسائله مؤلفات مرهونة بحدث من الأحداث ، ودعت إلى كتابتها
الحاجات الماسة للكنائس التي وجه إليها كلامه . ولذلك ألا يجب على المرء أن يسائل نفسه : ألا تعود
كتابة الرسالة إلى أهل رومة ، هي أيضا ، إلى حالة كنيسة رومة في السنتين 57 - 58 ؟ كثير من
المؤلفين اتجهوا في بحثهم نحو هذه الجهة ، بيد أننا لا نعرف إلا القليل عن الحالة الراهنة في كنيسة
رومة ، حين كتب إليها بولس ، وعن الذين يؤلفونها ، وعن نزعاتها ، وهكذا لا تتعدى الشروح المقترحة
كونها افتراضات قابلة للبحث . لا نجد في الرسالة نفسها ولا إشارة صريحة واحدة . ولم يذكر بولس
داعيا لمجيئه إلى رومة سوى رغبته الشديدة في " تأييد " إيمان المسيحيين في رومة . أما كان يخشى أن
يروج المتهودون أفكارهم في رومة ، كما فعلوا في بلاد غلاطية وقورنتس ؟ أكان يتوخى تحذير أهل رومة
من تصرفهم ؟ ليس الأمر مستحيلا ، ولكن ليس في الرسالة ما يجيز لنا أن ننسب إليه هذا الهدف
( راجع مع ذلك 16 / 17 - 26 ) . غير أن ما في هذه الفقرة من لهجة شديدة يخالف اللهجة الهادئة
في بقية الرسالة .
بين جميع الافتراضات المقترحة ، افتراض جدير بأن نتنبه له . فقد تساءل بضعة مفسرين منذ
أول القرن التاسع عشر : ألا تكون الغاية الأولى من الرسالة إلى أهل رومة غاية توفيق ؟ فمن المعروف أن
الجالية اليهودية في رومة كانت كبيرة جدا ، حتى أنها جلبت على نفسها أمرا بالطرد ، أصدره
الإمبراطور قلوديوس في السنة 49 ، وقد يكون السبب اضطرابات أثارها التبشير بإنجيل يسوع المسيح .
ومن المعروف أيضا أن هذا المرسوم شمل المسيحيين الذين من أصل يهودي أنفسهم ، فذهب على الأثر
أقيلا وبرسقلة ، على سبيل المثال ، إلى قورنتس ( رسل 18 / 2 ) ، ولكن لم يلبث الأمر أن ألغي ، فعاد
كثير من اليهود إلى رومة . ولما كتب بولس رسالته ، كان أقيلا وبرسقلة قد عادا إليها هما أيضا
( 16 / 3 ) . وللمرء أن يسائل نفسه : ألم يقف المسيحيون من أصل وثني موقفا فيه شئ من الازدراء
والاستعلاء ، وهم ينظرون إلى إخوتهم الذين من أصل يهودي لدى عودتهم إلى رومة ( راجع
11 / 17 - 20 و 14 / 3 و 10 و 15 / 25 - 27 ) ؟ أترى لم تنقسم كنيسة رومة انقساما عميقا ،
فانشطرت حزبين ، يؤلف أحدهما المهتدون من الوثنية ، والآخر المهتدون من اليهودية ؟ فحاول بولس ،
والحالة هذه ، أن يحمل الفريقين على أن يتقبل بعضهم بعضا وعلى أن ينتبهوا لوحدتهم الجوهرية ،
فتكون ذروة الرسالة الآية 7 في الفصل 15 وهي " تقبلوا بعضكم بعضا ، كما تقبلكم المسيح لمجد
الله " ، ويكون هدف جميع الموضوعات التي شرحت آنفا الوصول إلى هذه النتيجة العملية ؟
الكتاب المقدس — صفحة 460
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٤٦٠