بولس في أي رسالة أخرى ما استعمله في هذه الرسالة من فنون الخطابة ، أمثال العبارات هذه :
" فماذا نقول ؟ " و " افتجهلون " و " أيها الإنسان ، أيا كنت " . . فإن كثرة هذه العبارات الخطابية
تدل على أن الذي يخاطبه بولس ليس إلا شخصا وهميا ، وفقا لأساليب الفلسفة الشعبية في ذلك
الزمان .
ما في هذه الرسالة من قلة الصلة بالزمان ، ومن شدة في صبغتها العقائدية ، يبين الأسباب التي
من أجلها أراد بعض الناس أن يعدها " خلاصة لاهوتية " . غير أن ما فيها من إغفال لكثير من الأمور
يحول دون أن تعد " خلاصة العقيدة المسيحية " ، بل ولا ملخصا لتفكير بولس اللاهوتي . إن الفرق
الشاسع بين الرسالة إلى أهل رومة والرسالتين إلى أهل قورنتس ، لا في الانشاء فحسب ، بل في
الموضوعات أيضا ، مع أنها تعود كلها إلى الوقت نفسه ، جدير بأن يسترعي الانتباه . يسود الرسالتين إلى
أهل قورنتس موضوعان أحدهما قريب من الآخر : فقد دافع بولس فيهما عن سلطته الرسولية أو
كافح في سبيل وحدة كنيسة قورنتس وبنيانها . أما الرسالة إلى أهل رومة ، فيسعنا القول أن الكلام
لا يدور فيها أبدا على الكنيسة ، أقل ما يكون على وجه صريح ، ما عدا الوصايا العملية الواردة في
الفصول الأخيرة . فالتعليم الكبير الذي يتناول القربان المقدس في الرسالة إلى أهل قورنتس ( 1 قور
11 / 17 - 34 ) لا نظير له في الرسالة إلى أهل رومة ، وإذا كان الروح القدس في الرسالتين إلى أهل
قورنتس ينبوع المواهب لخير الجماعة والخدمات المنظمة ، فإنه في الفصل الثامن من الرسالة إلى أهل
رومة مصدر الحرية الشخصية والصلاة الشخصية في الإنسان ، ومع ذلك فإن الرسالتين إلى أهل
قورنتس لم تبقيا بلا صدى في الرسالة إلى أهل رومة . فإننا نجد في كل منها صورة الكنيسة جسد المسيح
( 1 قور 12 / 12 - 27 وروم 12 / 4 - 6 ) وموضوع المسيح آدم الآخر ( 1 قور 15 وروم 5 ) .
وإذا كان لا يسوغ لنا أن نعد الرسالة إلى أهل رومة ملخصا لتفكير بولس اللاهوتي ، وكم
بالأحرى ما يعادل المعتقد المسيحي بمعنى الكلمة في عصرنا ، فقد يجوز لنا مع ذلك أن نصفها بأنها
عرض لما سماه بولس نفسه مرتين في الرسالة " بشارته " ( 2 / 16 و 16 / 25 ) وما عده لب البشرى
التي بلغها الأمم .
[ 2 . مؤلف وليد الأحداث ]
ما في الرسالة إلى رومة من طابع لازمني عام لا ينفي أنها " مرتبطة بأحداث تاريخية " وأنها تجيب
عن أشد المشاكل التي كانت تتعرض لها الكنيسة في ذلك الزمان . يقول بعض المفسرين بأن الكنيسة ،
وإن لم تذكر اللفظة نفسها ، هي الهدف الذي تتجه إليه المعاني الجوهرية التي يتناولها فكر بولس في
الرسالة . يشعر بولس بالخطر الذي يهدد الكنيسة في ذلك الحين من تاريخها : فهي معرضة للانقسام
إلى جماعتين ، الواحدة يهودية مسيحية وريثة المجمع ، والأخرى جماعة الوثنيين المهتدين إلى
المسيحية ، وهو يعرف أنه رسولها . فإذا انقسمت الكنيسة ، بقيت هذه الجماعة منفصلة عن الجماعة
الأولى ، لا صلة لها بالماضي . لقد أقنعته الأزمات الحديثة التي زعزعت كنيستي غلاطية وقورنتس بأن
الحالة جسيمة . فلما كتب بولس رسالته ، لم يكن يعرف معرفة أكيدة كيف يتلقاها المسيحيون في
أورشليم . فلا عجب أنه أراد ، برسالة موجهة إلى حلقة من القراء واسعة ، أن ينوه بوحدة الوحي في
الكتاب المقدس — صفحة 459
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٤٥٩