ماض إلى أورشليم أسير الروح ، لا أدري ماذا يحدث لي فيها . على أن الروح القدس كان يؤكد لي في
كل مدينة أن السلاسل والشدائد تنتظرني " ( رسل 20 / 22 - 23 ) .
كتبت الرسالة إلى أهل رومة السنة 57 ، في رأي بعض المؤرخين ، أو السنة 58 في رأي
غيرهم ، بحسب التسلسل التاريخي الذي يأخذون به . ومهما يكن من أمر ، فقد كتبت في أول
الربيع ، أي في أيام السنة التي كانوا يعودون فيها إلى الملاحة المنتظمة بعد انقضاء أشهر الشتاء التي تسوء
فيها الأحوال الجوية .
لم يشك أحد في صحة نسبة الرسالة إلى بولس . كل ما هنالك أن فصليها الأخيرين وحدهما
موضوع تحقيق لاختلاف الروايات في الأصول .
[ الغاية من الرسالة والأحوال التي دعت إلى كتابتها ]
إن الظروف التي كتبت فيها الرسالة إلى أهل رومة معروفة معرفة كافية ، ولكن نوعها الأدبي يبقى
غامضا . أترانا أمام بحث في صيغة رسالة ، أم أمام رسالة حقيقية وليدة حدث ؟ وبعبارة أخرى ، هل
أراد الرسول خصوصا ، لما أملى هذه الرسالة ، تلقين كنيسة رومة تعليما في الحقيقة الإنجيلية ، أم
حاول قبل كل شئ الحصول على نتيجة عملية تلبي حاجات كان يعلم بوجودها في تلك الكنيسة ؟
[ 1 . مؤلف عقائدي ]
إن معظم المفسرين ، حتى ما يقرب من آخر القرن التاسع عشر ، عدوا الرسالة إلى أهل رومة
رسالة بحثا ، فهي في رأيهم مؤلف عقائدي في صيغة رسالة مفتوحة . لم يكن إعلام بولس بمجيئه
القريب إلى رومة سوى ذريعة تذرع بها ، فإنه لم يكن يعرف تلك الكنيسة ، ولم يكن له عليها أي
سلطة مباشرة ، وكان يحرص " ألا يبني على أساس غيره " ( 15 / 20 ) . فلم يكن له ما يدعوه إلى
التطرق لما في الجماعة من مشاكل عملية ، ولا الدخول في جدال ولا الدفاع عن نفسه ، بل انتهز
الفرصة التي سنحت له لكي يبعث برسالة إلى كنيسة رومة ، يعرض فيها على الرومانيين ، ومن فوق
رأس الرومانيين على جميع المؤمنين ، أهم المسائل التي تشغل ذهنه ، ويعود فيها ، بلهجة هادئة
وبأسلوب أكثر تنسيقا ، إلى ما كتبه في رسالته إلى أهل غلاطية .
فلا بد من مقابلة الرسالتين ، فإننا نجد في كل منهما أهم موضوعات تفكير بولس اللاهوتي ،
كالتبرير والخلاص وشريعة موسى والإيمان المسيحي والقيمة النبوية لشخص إبراهيم الخ . غير أن
التباين بين الرسالتين لا يقل عما فيهما من شبه يدعو إلى الدهش . فعلى قدر ما نشعر ، ونحن نطالع
الرسالة إلى أهل غلاطية بأن بولس كتبها وهو منفعل ، ندهش ونحن نطالع الرسالة الأخرى ، لما فيها
من لهجة هادئة تعليمية بسيطة ومن سمو المعاني . ما يبلغ هو واحد ، ولكنه يعرض ويشرح على وجه
أوسع وبلهجة هادئة ومن غير جدال .
أجل ، إن بولس ، من أول الرسالة إلى آخرها ، يكلم بعنف مخاطبا ، من غير أن يشير إليه إشارة
واضحة . وهو لا ينفك يستعمل الاستفهام البياني والتعجب والاستنكار والجمل المعترضة . لم يستعمل
الكتاب المقدس — صفحة 458
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٤٥٨