يخلق مثلها في البلاد ) ( 8 ) ذكر ابن كثير البغوي : أن هؤلاء هم عاد الأولى . وإرم
اسم قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها . وكانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع
بالأعمدة الشداد . كما أنهم بنوا عمدا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد ، وعاد
الأولى دمرها الله تعالى لتكون عبرة لعاد التي بعث الله تعالى إليها هودا عليه
السلام ، ولكن أهل الأحقاف لم يعتبروا ، وشيدوا حضارتهم بروح حضارة عاد
الأولى ، فأقاموا المصانع التي تنحت الأحجار وشيدوا القصور والقلاع على
الأرض ، ورفعوا فوق كل مرتفع من الأرض مأوى يحمي الناس من عوامل
الطبيعة ، ومع هذه الأخلاق الحديدية ظهرت الثقافة الحديدية التي تنطلق من
منطق القوة ، واستكبرت عاد في الأرض استكبارا لا حدود له . . . يقول تعالى :
( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ؟ أو لم يروا أن
الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ) ( 9 ) لقد بغوا وعتوا
وعصوا . ولأنهم بلوا بشدة تركيبهم وقواهم اعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس
الله ( 10 ) ومع عقيدة كهذه وثقافة كهذه ، تشنق الخيول المشلولة بلا أي جريرة .
وتحت فقه الغطرسة الذي دونته عاد يكون السب والطعن وشتى الإهانات من
نصيب كل من يحمل بين جنباته فطرة نقية سليمة ، فعاد شيدت الحصون على
الأرض وفوق المرتفعات ، ووفقا لفقه ( من أشد منا قوة ) الذي دونه الفقهاء الذين
كانوا بآيات الله يجحدون . انطلقت عاد وراء الخلود خوفا من الموت . وأعلام
الخلود والأماني والآمال العريضة يحملها الشيطان . بربط الناس بالدنيا وهو من
أجل هذا الهدف لا يترك طريقا إلى الأهواء إلا زينه وزخرفه . ومن عالم الزينة
تخرج الأقوال التي ما إن تسمعها الآذان حتى تنصت لها ، وتتحرك الأشياء التي ما
إن تراها العيون حتى تحتضنها ، إن عالم عاد هو عالم كفران النعمة ونكران
المنعم ، الذي يستهان فيه بالقتل ولا يقام فيه للفضيلة أي وزن ! وعاد أمسكت
بذيل كفار قوم نوح عندما رفضوا بشرية الرسول ( قالوا لو شاء الله ربنا لأنزل
ملائكة ) ( 11 ) ورفض الرسول البشر ، غرس شيطاني يضمن به عدم قبول أكثر
هامش
( 8 ) سورة الفجر ، الآيتان : 6 - 7 .
( 9 ) سورة فصلت ، الآية : 15 .
( 10 ) ابن كثير 94 / 4 .
( 11 ) سورة فصلت ، الآية : 14 .