الناس الهداية التي تأتيهم من رسول يماثلهم في البشرية ، فالشيطان رفض
البشرية من أساسها وظن في نفسه أنه أعلى منها مقاما ، ووفقا لهذا المخزون الذي
تحتويه النفس الشيطانية ، طرح الشيطان منهج الرفض هذا بما يستقيم مع البشر ،
فكل صاحب هوى وكل صاحب عدة وجموع سيرى في نفسه أنه أعلى مقاما من
الذي يدعوه وعلى هذا ستنحصر الهداية في رقعة . وينطلق الشيطان في الرقعة
الأوسع . والشيطان بطابوره الطويل زرع له أولياء مهمتهم الصد عن سبيل الله ،
معتمدين في ذلك على فقه التحقير بجميع أدواته من سب وطعن وغير ذلك ، والله
تعالى حذر من سبل هؤلاء الأولياء وسيدهم ، وأخبر بأنهم أعداء للبشرية جمعاء
ولا يريدون لها الخير . فقال تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا
إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم
لكم عدو وبئس للظالمين بدلا ) ( 12 ) لقد حذر سبحانه بأنه لا ينبغي للناس أن
يفتتنوا بما يزينه لهم الشيطان وذريته من ملذات الدنيا وشهواتها لكي يعرضوا عن
ذكر الله ، ولا ينبغي أن يطيعونهم فيما يدعون إليه !
وعاد افتتنت بما زينه الشيطان لها ، وأطاعته فيما يدعي إليه ، ورفعت أعلام
( من أشد منا قوة ؟ ) وفي زمان الافتتان هذا ، وفي عالم الأخلاق الحديدية هذه ،
بعث الله تعالى هودا عليه السلام إلى عاد . ولقد تعرض القرآن الكريم لقصة عاد
والنبي المبعوث فيها هود عليه السلام في عشر سور منه هي : الأعراف ، هود ،
المؤمنون ، الشعراء ، فصلت ، الأحقاف ، الذاريات ، القمر ، الحاقة ،
الفجر ، وعاد الأولى هي إرم ذات العماد . وصاحب إرم غير عاد قوم هود ، قال
تعالى : ( ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ) وإنما قال عاد قوم هود
ليتميز عن عاد صاحب إرم ذات العماد . وجبار إرم ذات العماد أهلكه الله لتعتبر
عاد ولكن عادا أمسكت بذيله وسارت على طريقته فبعث الله فيها هودا عليه
السلام ، وهود عليه السلام كما يراه القلب من خلال قصته مع عاد ، كان إنسانا
وقورا رزينا عاقلا واسعا صدره عظيما عقله ، كبيرة نفسه ، ذا شعور قوي ، زاهدا
عابدا عفيفا أبيا غيورا ، صلب الإيمان خشنا في ذات الله سبحانه وتعالى ، على
الكافرين عذابا صبا وللمؤمنين أبا رحيما ، لا يقابل الشر بمثله بل لا يفارقه العطف
هامش
( 2 1 ) سورة الكهف ، الآية : 50 .