وأنه غير مؤمن إلا باللفظ ولذلك دعاه إلى الركوب : ( قال سآوي إلى جبل
يعصمني من الماء . . . ) أي سأنضم إلى جبل يعصمني ويقيني من الماء فلا
أغرق ( قال لا عاصم اليوم من أمر الله ) أي قال نوح : لا عاصم اليوم - وهو يوم
اشتد غضب الله وقضى بالغرق لأهل الأرض ، إلا من التجأ منهم إلى الله - من الله
لا جبل ولا غيره . وبعد أن قال نوح ذلك لابنه . حال بينهما الموج فكان ابنه من
المغرقين . ولو لم يحل الموج بينهما ولم ينقطع الكلام بذلك . لعرف كفره وتبرأ
منه ( 77 ) .
إن نوحا عليه السلام . لو كان يعلم إبطان ابنه للكفر ما كان يحزنه أمره لأنه
القائل : ( فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين ) ( 78 ) وهو
القائل : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) ( 79 ) لم يكن نوح عليه
السلام يعلم حقيقة ابنه ، وعندما حال بينهما الموج توجه عليه السلام بوجدانه
وشعوره إلى ربه جل وعلا : ( ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن
وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين ) ( 80 ) قال المفسرون : رفع صوته بالدعاء .
كما يدل عليه قوله تعالى : ( ونادى نوح ربه ) ولم يقل : سأل أو قال أو دعا .
ورفع الصوت بالاستغاثة من المضطر الذي اشتد به الضر وهاج به الوجد أمر
طبيعي . وفي نداء نوح عليه السلام لم يجترئ أن يسأل نجاة ابنه بالتضرع . بل
أورد القول كالمستفسر عن حقيقة الأمر . وابتدر بذكر ما وعده الله من نجاة أهله
حين أمره أن يجمع الناجين معه في السفينة فقال له : ( احمل فيها من كل زوجين
اثنين وأهلك ) ولذلك قال عليه السلام : ( رب إن ابني من أهلي وإن وعدك
الحق ) . . . فذكر وعد ربه وضم إليه أن ابنه من أهله . . فابنه كان مؤمنا به ظاهرا
ولم يكن نوح يعلم ما يضمره ابنه في قلبه . فقوله : ( إن ابني من أهلي ) و ( إن
وعدك الحق ) ينتجان بانضمام بعضهما إلى بعض الحكم بلزوم نجاة ابنه .
ومعنى الآية : ( رب إن ابني من أهلي ، وإن وعدك حق كل الحق ، وإن
هامش
( 77 ) الميزان : 230 / 10 .
( 78 ) سورة الشعراء ، الآية : 118 .
( 79 ) سورة نوح ، الآية : 26 .
( 80 ) سورة هود ، الآية : 45 .