هذا تسمية منه عليه السلام . يجلب به الخير والبركة لجري السفينة وإرسائها ،
فإن في تعليق فعل من الأفعال ، أو أمر من الأمور ، على اسم الله تعالى وربطه
به ، صيانة له من الهلاك والفساد ، واتقاء من الضلال والخسران ، فالله تعالى
رفيع الدرجات ومن تعلق به مصون لا محالة من تطرق عارض السوء . وروي أنه
كان إذا أراد أن تجري قال : بسم الله . فجرت . وإذا أراد أن ترسو قال : بسم الله
فرست .
وعندما كانت السفينة تجري بهم على وجه الماء الذي جرى في كل مكان ،
كان الكفار يهرولون إلى كل مرتفع من الأرض طمعا في أن لا يصل الماء إليهم .
صعدوا فوق سقوف بيوتهم وفوق جذوع النخل وعلى قمم الجبال ، ولكن قممهم
لم تغن عنهم من الله شيئا ، فالأمواج طالت مرتفعاتهم ، وصفعت وجوه الظالمين
وألقت بهم في أحضان العذاب الأليم ، كانوا يشاهدون السفينة التي صنعت من
ألواح ودسر وهي تجري في موج كالجبال وعلى متنها الذين وصفهم الأشراف يوما
بالأراذل ، لقد شاهدوا ما كانوا يسخرون منه . فوجدوا نوحا وأتباعه في رحاب
الأمن . بينما هم في أحضان العذاب الأليم يتجرعون عذاب الخزي وهم في
طريقهم إلى العذاب المقيم . وبينما كانت السفينة تجري على وجه الماء طلت
الأحداث الأليمة في اليوم الأليم يقول تعالى : ( وهي تجري بهم في موج
كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين *
قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم
وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) ( 75 ) قال المفسرون : قيل إن هذا الابن
الرابع لنوح عليه السلام ( 76 ) وكان هذا الابن قد عزل نفسه عن أبيه والمؤمنين في
مكان لا يقرب منهم . ولذلك قال : ( ونادى نوح ابنه ) ولم يقل : وقال نوح
لابنه . والمعنى : ونادى نوح ابنه . وكان ابنه في مكان منعزل بعيد منهم . وقال
في ندائه . يا بني - بالتصغير والإضافة دلالة على الاشفاق والرحمة - اركب معنا
ولا تكن مع الكافرين فتشاركهم في البلاء كما شاركتهم في الصحبة وعدم ركوب
السفينة . ولم يقل عليه السلام : ولا تكن من الكافرين . لأنه لم يكن يعلم نفاقه
هامش
( 75 ) سورة هود ، الآيتان : 42 - 43 .
( 76 ) ابن كثير : 246 / 4 .