وأبوابها كربوبية البحر وربوبية البر وربوبية الأرض وغير ذلك . ثم أخبرهم عليه
السلام بأوصاف نفسه . فبين أنه يبلغهم رسالات ربه . وهذا شأن الرسالة
ومقتضاها القريب الضروري . ثم ذكر أنه ينصح لهم ليقربهم من طاعة ربهم .
ويبعدهم عن الاستكبار والاستنكاف عن عبوديته . وأنه يعلم من الله ما لا
يعلمون . كوقائع يوم القيامة من الثواب والعقاب وغير ذلك . وما يستتبع الطاعة
والمعصية من رضاه تعالى . وسخطه ووجوه نعمه ونقمه ( 27 ) ثم قال لهم :
( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) لقد أنكر تعجبهم من
دعواه الرسالة ، ودعوته إياهم إلى الدين الحق ، وقال . لا تعجبوا من هذا ، فإن
هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم . رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم
لينذركم . ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به ( 28 ) .
ورغم هذا البيان كان الشيطان قد استحوذ على عقول كفار القوم ، فلقد
ظلوا يروجون لثقافة رفض البشر الرسول ، تلك الثقافة التي وضع الشيطان أصولها
يوم رفض السجود لآدم . وقام القوم بإضفاء الزينة على ثقافتهم التي وجهوها من
أجل الصد عن سبيل الله . فأضافوا أوراق الانتقاص والتحقير إليها متهمين نوحا
عليه السلام بالضلالة وأن به جنة ، ولقد التقط طابور الشذوذ على امتداد التاريخ
الإنساني هذه المقولات وأضافوا إليها . وإذا كان قوم نوح في أول الطريق قد
رفضوا البشر الرسول لأنه لا نسب بينه وبين الملائكة . فإن طابور الانحراف في
ختام المسيرة البشرية قد اخترع آلهة وادعى أنه بينها وبين الله نسبا . وعلى هذا
الادعاء قامت دول ورفعت رايات كان الشيطان لها دليلا .
إن الشذوذ في أول الطريق يبدو ضئيلا ، ثم يتسع شيئا فشيئا . وإذا كان
شذوذ قوم نوح قد دفن في طين الطوفان . فإن الشيطان ظل يراقب تجربة
الشذوذ ، ويلقي بآخر مرحلة من التجربة التي اندثر أصحابها على قارعة الطريق
الذي يسير عليه المستكبرين الجدد ليلتقطوها . وهكذا . والله غالب على أمره .
هامش
( 27 ) الميزان : 175 / 8 .
( 28 ) تفسير ابن كثير : 223 / 2 .