فلما جاءهم عرفوا أنه هو انطباق ما كان عندهم من أوصاف عليه
كفروا ( 138 ) . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لو آمن بي
عشرة من أحبار اليهود لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض ) ( 139 ) أي لو صدق
برسالتي وما جئت به عشرة من علماء اليهود ورؤسائهم الذين يقتدى بهم ، لقادوا
سائرهم إلى الدخول في الإسلام .
لقد كان النبي يريد أن يؤمن قادة اليهود . ولكن قادة اليهود انطلقوا في
عالم الطمس يتبعهم الظالمون من النصارى . ولن يغني عنهم إيمانهم بأنبياء بني
إسرائيل . لأنهم فرقوا بين الله ورسله ، فقالت اليهود آمنا بموسى ، ثم كفروا
بعيسى ومحمد . والتوراة التي بأيديهم لا تحمل إلا ملامح باهتة عن موسى .
وقالت النصارى آمنا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد . والأناجيل التي بأيديهم
منسوبة إلى تلاميذ يؤرخون لحياة المسيح وما وقع بينه وبين اليهود . وهي أولا لا
تتفق فيما بينها في كثير من المعاني . وثانيا فإنها تقول بالتثليث بينا التوراة لا تقول
به . وهكذا فرقوا بين الله ورسله وكتبه . وحكم الله حكمه الحق بأنهم كافرون بالله ورسله جميعا . قال تعالى : ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن
يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينها * والذين
آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله
غفورا رحيما ) ( 140 ) فالكفر بالبعض والإيمان بالبعض . ليس إلا تفرقة بين الله
ورسله . ولا سبيل إلى الله إلا الإيمان به وبرسله جميعا . فإن الرسول ليس له من
نفسه شئ . ولا له من الأمر من شئ . فالإيمان به إيمان بالله . والكفر به كفر
بالله . لقد كانت الرسالة المحمدية هي الباب الأخير الذي بدخوله ينجوا بني
إسرائيل من العذاب الذي دق أوتاده سلفهم حول العجل يوما ما . كان الإسلام
الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو طوق النجاة الذي ينشلهم من
هامش
( 138 ) الميزان : 222 / 1 .
( 139 ) رواه محمد وأبو داود - الفتح الرباني : 102 / 1 .
( 140 ) سورة النساء ، الآيات : 150 - 152 .