ورسوله وأفسدوا صالح دينهم . ابتلوا بلعن من الله لحق جمعهم وسلبهم التوفيق
الإيمان إلا قليلا . فعم الخطاب لجميع أهل الكتاب على ما يفيد قوله : ( يا أيها
الذين أوتوا الكتاب ) ودعاهم الله إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما
معهم . وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم . لو تمردوا واستكبروا . من طمس أو
لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه . وطمس الوجوه . محو هذه الوجوه التي يتوجه بها
البشر نحو مقاصدهم الحيوية . مما فيه سعادة الإنسان المرتقبة والمرجوة . وهذا
المحو ليس هو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها . بل محو يوجب ارتداد
تلك الوجوه على أدبارها . فإذا كانت الوجوه تقتصد مقاصدها على الفطرة التي فطر
الله الناس عليها . فإن كانت الوجوه المطموسة لا تقصد إلا خلفته وراءها ولا تمشي
إليه إلا القهقرى . وهذا الإنسان الذي يسير في غير اتجاه الفطرة . كلما توجه إلى
ما يراه خيرا لنفسه وصلاحا لدينه أو لدنياه . لم ينل إلا شرا وفسادا . وكلما بالغ في
التقدم زاد في التأخر وليس يفلح أبدا ( 143 ) .
أما قوله تعالى : ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) فآيات أصحاب
السبت هي التي تخبر عن مسخهم قردة وقد ألقينا عليهم بعض الضوء عند حديثنا
عن القرية التي أصبحت أمام أمر الله ثلاث فرق . وقال المفسرون : " أو "
في قوله : ( أو نلعنهم ) على ظاهرها من إفادة الترديد . والفرق بين عيدين :
أن الأول الذي هو الطمس ، يوجب تغيير مقاصد المغضوب عليهم من غير تغيير
الخلقة إلا في بعض كيفياتها . والثاني الذي هو اللعن كلعن أصحاب السبت .
يوجب تغيير المقصد . بغيير الخلقة الإنسانية إلى خلقة حيوانية كالقردة . فهؤلاء
إن تمردوا عن امتثال ولم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان لهم
إحدى سخطتين : إما طمس الوجوه . وإما اللعن . ولكن الآية تدل على أن
السخطة لا تعمهم جميعا حيث قال تعالى : ( وجوها ) فأتى بالجمع المنكر .
ولو كان المراد الجميع لم ينكر . ولتنكير الوجوه وعدم تعيينها نكتة هي أن المقام
لما كان مقام الإبعاد والتهديد ، وهو إبعاد للجماعة بشر ، لا يلحق إلا ببعضهم .
كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار والتخويف ،
هامش
( 143 ) الميزان : 367 / 4 .