والثالث : المن عليه . بأنه من عبيده ويستفاد ذلك من قوله : ( وأنت من
الكافرين ) وبدأ عليه السلام يجيب ، فغير الترتيب في الجواب ، فأجاب أولا
عن اعتراضه الثاني . وهو القتل لأن فرعون يعلق عليه آمال وينسج من أجله كيد .
ثم أجاب عن الاعتراض الأول ثم عن الثالث . فقوله : ( فعلتها إذا وأنا من
الضالين ) جواب عن اعتراضه بقتل القبطي . والمراد : أني فعلتها حينئذ .
والحال أني في ضلال من الجهل بجهة المصلحة فيه ، والحق الذي يجب أن يتبع
هناك ، فأقدمت على الدفاع عمن استنصرني . ولم أعلم أنه يؤدي إلى قتل
الرجل . ويؤدي ذلك إلى عاقبة وخيمة ، تحوجني إلى خروجي من مصر وفراري
إلى مدين والتغرب عن الوطن سنين .
ثم بين عليه السلام أن فراره من مصر كان لخوفه منهم ، حيث أصبح الملأ
لا شاغل لهم إلا الفتك به ، كما أخبر الله في سورة القصص : ( وجاء رجل من
أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج . . . )
ثم أجاب عليه السلام عن اعتراض فرعون الأول ، وهو استغراب رسالته
واستبعادها وهم يعرفونه فقال : ( فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين )
فبين أن استغرابهم واستبعادهم رسالته استنادا إلى سابق معرفتهم بحاله ، إنما
يستقيم لو كانت الرسالة أمرا اكتسابيا ، يمكن أن يتوقع حصوله بحصول مقدماته
الاختيارية ، وليس الأمر كذلك ، بل هي أمر وهبي ، لا تأثير للأسباب العادية
فيها ، وقد جعله الله من المرسلين ، كما وهب له الحكم بغير اكتساب . أما
اعتراض فرعون الثالث . حيث قام فيه بتقريع موسى على اعتباره من عبيده فكان
جوابه : ( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) أي أن هذا الذي تعده
نعمة ، وتقرعني بكفرانها ، سلطة ظلم وتغلب ، إذ عبدت بني إسرائيل ، والتعبيد
ظلما وتغلبا ، ليس من النعمة في شئ ( 81 ) .
1 - الحجج الدامغة :
( قال فرعون وما رب العالمين ) ( 82 ) . قال المفسرون : لما كلم فرعون
هامش
( 81 ) الميزان : 265 / 15 .
( 82 ) سورة الشعراء ، الآية : 23 .