( فأتياه ) ولم يقل اذهبا إليه . وإتيان الشئ أقرب مساسا به من الذهاب إليه .
ولم يكن إتيان فرعون وهو ملك مصر بذاك السهل الميسور . وقيل : ( فقولا )
ولم يقل : فقولا له . كأنه لا يعتني به . وقيل : ( إنا رسولا ربك ) و ( بآية من
ربك ) فقرع سمعه مرتين بأن له ربا وهو الذي كان ينادي بقوله : ( أنا ربكم
الأعلى ) وقيل : ( والسلام على من اتبع الهدى ) ولم يورد بالخطاب إليه .
ونظيره قوله : ( إن العذاب على من كذب وتولى ) من غير خطاب . . . وليس
في ذلك خشونة في الكلام . وخروج عن لين القول الذي أمر به أولا . لأن ذلك
حق القول الذي لا مناص من قرعه سمع فرعون . من غير تملق ولا احتشام وتأثر
من ظاهر سلطانه الباطل وعزته الكاذبة ( 71 ) .
* 5 - النبي في مواجهة الانحراف :
روي أن موسى عليه السلام بعد أن كلمه الله تعالى في الوادي المقدس ،
توجه سائرا ومعه أهله ومواشيه إلى مصر ودخلها ليلا . ونزل في دار أهله التي فيها
أمه وأخوه وبقية أهله وقد كان أخوه هارون قد استقبله وتلقاه عند شاطئ النيل
وعلم بإعلام الله له ، وعندما نزل في دار أهله كان لملاقاتهم له واجتماعهم به بعد
تلك الغيبة الدهشة والسرور العظيم الباهر خصوصا لأمه الطاهرة . وقد أخبرهم
بأمره ومجمل ما حل به ، وروي أن موسى عندما ذهب إلى فرعون . أتى بابه
فاستأذن عليه . فلم يأذن له . فضرب بعصاه الباب فاصطكت الأبواب منفتحة ثم
دخل على فرعون فأخبره أنه رسول رب العالمين وسأله أن يرسل معه بني
إسرائيل . وكان خطاب موسى لفرعون خطاب رفق ولطف ولين مع كمال الصبر
في تبليغه ( 72 ) .
لقد قام موسى عليه السلام بإبلاغ الرسالة إلى فرعون في المقام الأول ،
وفرعون إذا كان يحكم مصر وحده كما هو ظاهر ، إلا أنه له أعوان يمهدون له كل
طريق للظلم ويرفعون له كل كراسي الاستكبار ، وإذا كان فرعون في مرتبة ، وهم
في مرتبة أخرى . إلا أن الجميع مجموعة عمل واحدة ، وحزمة واحدة على طريق
هامش
( 71 ) الميزان : 158 / 14 .
( 72 ) كتاب الأنباء : 285 .