المراضع ، فجعله لا يقبل ثدي مرضع . فكلما أتوا له بمرضع لترضعه لم يقبل
ثديها ، حتى جاءت أخته ورأت الحال - وكانت أمه قد قالت لأخته حين ألقت به
في النيل أن تتبع أثره - قالت لآل فرعون : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه
لنفعكم وهم له ناصحون ؟ فاستمعوا لها بالقبول ، فدلتهم على أمه فسلموه إليها .
كي تقر عينها .
ثم إن موسى شب حتى أصبح رجلا في بيت فرعون . وكان بارعا باسلا
قوي البأس ، وافر القوة ذا عقل ورشد وكياسة حسن التصرف ، كبير النفس ،
عالي الهمة ، بعيد النظر ، بطلا شجاعا مهيبا ، غريبا في آرائه واختياره ، عجيبا
في مسلكه ومدخله ومخرجه ، وجميلا في سياسته ومعاملة الناس ، ففيه نبوغ
ظاهر وعلم باهر وخلق حسن ومرؤة ولطف ودهاء ، إلى ما لا يوصف ولا مثيل
له ، وقد جاء في الطبري : أنه من حينما شب موسى وقوي ، كف المصريون عن
بني إسرائيل ، ومن الأمور البديهية أن يعرف فيه بنو إسرائيل الظهير والنصير لهم ،
وأن يلجأ إليه المضطهد والمظلوم منهم ، ومع ذلك كله لم يخف عليه . من أنه
دخيل في بيت فرعون . وأنه لو كشف أمره لظهر أنه من ذاك الشعب الذي يضطهده
فرعون ( 58 ) .
* 3 - الفرار إلى مدين :
ذكر البيضاوي أن موسى مكث في آل فرعون ثلاثين سنة . وأنه خرج يوما
حينما كان في بيت فرعون على حين غفلة من أهل المدينة فوجد مصريا يأخذ
عبرانيا ليسخره في بعض عمله بغير رضى منه ، وهو يمتنع منه ، فلما رأى العبراني
موسى استغاث به فجاء موسى إلى المصري ووكزه فقتله ، ولم يعلم بذلك الأمر
سوى الرجل العبراني الذي نصره موسى . وذكر الطبري أن المصريين لما عثروا
على القتيل ، قالوا لفرعون : إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون ، فخذ
لنا بحقنا ! فقال لهم : أروني قاتله ومن يشهد عليه ، فحينئذ أخذ آل فرعون في
الفحص عن خصمهم . وبينما هم يطوفون في سكك المدينة مستمرين في
التجسس والتفتيش ، إذ مر موسى فوجد ذلك العبراني الذي كان سببا في قتل
هامش
( 58 ) كتاب الأنباء : 262 .