* 1 - أضواء على الفرعونية :
في الظاهر أن الباطل هو الذي يطارد الحق ، ولكن الحقيقة تخالف ذلك ،
والدليل يكمن في نتيجة المطاردة ، من انتصر على من ؟ إن الباطل مهما طالت
أيامه وكثر جنده واشتد ساعده ، مطارد والذي يطارده هو الله ، ولا بقاء لشئ
يطارده الله ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) ( 19 ) إن الباطل
طارئ لا أصالة فيه ، أما الحق فهو أصيل في الوجود ، والحق لا يخفى بأي وجه
وعلى أي تقدير وهو من أبده البديهيات ، وليس في الوجود أي محبوب أو مطلوب
أعز وأشرف وأغلى من الحق ، لهذا فالحق هو الذي يطارد الباطل ، ودائما وأبدا
تكون نهاية هذه المطاردة أن الحق هو المنتصر في الدنيا ظاهرا وباطنا . لقد كان
كفار قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وقومه . في
خندق الباطل . فماذا كانت عاقبة المفسدين الذين ملأوا القلوب رعبا ، والنفوس
دهشة ، وخربوا الديار ، ونهبوا الأموال ، وسفكوا الدماء ، وأفنوا الجموع .
واستعبدوا العباد وأذلوا الرقاب ، لقد مهلهم الله في عتوهم واعتدائهم ، حتى إذا
بلغوا أوج قدرتهم . واستووا على أريكة شوكتهم وغرتهم الدنيا بزينتها ،
واجتذبتهم الشهوات إلى خلاعتها ، واشتغلوا بملاهي الحياة والعيش . واتخذوا
إلههم هواهم ، جاءتهم الضربة القاصمة ، فلم يبق منهم إلا أسماء إن لم تنس ،
ولم يتبق من هيمنتهم إلا أحاديث !
وفرعون قصة من قصص الجبابرة ، جاءت قصته بعد أن قص الله قصة
شعيب مع قومه ، ولقد توفر للدولة الفرعونية كل أسباب القوة ، من نيل يفيض
بالماء على أرض خصبة ، إلى سواعد فتية ترفع الأحجار وتحفر في الصخور ، لقد
توفر للدولة المناخ والطبيعة والإنسان . وهذه نعم من الله يجب الشكر عليها ،
ولكن الفرعونية أمسكت بسمع وبصر القوم ، فتلاشى القوم ولم يظهر إلا فرعون !
1 - الفرعونية :
بعث الله تعالى إدريس عليه السلام إلى مصر بعد الطوفان - فيما ذكره
البعض - وأقام في مدينة منف . وبعد أن أقام الحجة على القوم في بداية الطريق
هامش
( 19 ) سورة الأنبياء ، الآية : 18 .