قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم فرعون وغيرهم . وهلك
جميع هؤلاء ولكن فقه التحقير لم يهلك معهم لأنه باقي ما بقي الشيطان .
فالشيطان يطرحه على قوم وعند ذهاب السلف يلقيه الشيطان على الخلف وهكذا
حتى تتسع الحلقات ليكون التحقير مألوفا على امتداد القافلة البشرية . تلك هي
خطة الشيطان في فقه التحقير الذي يرفض الهدى ليفتح أبواب النار ( أفتتخذونه
وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) ( 15 ) .
* بذور المتاجرة بالدين :
بعد أن لعن الله أول فاتح فتح باب معصية الله . وعصاه في أمره . طلب
إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون . فلما أجيب إلى ما سأل . أظهر ما هو كامن في
ذاته . وما أبداه كان في حقيقة الأمر خطته الكاملة تجاه آدم وذريته . والخطة
الشيطانية لم تترك منفذا إلا وراقبته . وإذا كان إبليس قد استثمر قوله : ( أنا خير
منه ) في وضع فقه التحقير الذي أنتج نوعا من البشر يعمل ضد البشر . فإنه في
مكان آخر عمل من أجل عرقلة طريق العبادة التي من أجلها خلق الله الجن
والإنس . قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( 16 ) . قال
المفسرون : إن الغرض العبادة . بمعنى كونهم عابدين لله . لا كونه معبودا . فقد
قال . ( ليعبدون ) ولم يقل : لأعبد أو لأكون معبودا لهم . . . فالله هو المعبود
الحق . وهو سبحانه قد بين للجن والإنس كيف يعبدوه . فالعبادة هي أن تعبد الله
كما يريد الله . وإبليس أدلى بدلوه في اتجاهين . . الاتجاه الأول أنه وسوس
للإنسان بعيدا عن المعنى المقصود ( ليعبدون ) ونصب خيمته في مربع ،
لأكون معبودا لهم . ووفقا لتصورات هذا المربع تم عبادة الأصنام والطاغوت على
امتداد المسيرة البشرية . والاتجاه الثاني . وسوس للإنسان ليعرقل المسيرة نحو
المعنى المقصود لقوله تعالى : ( ليعبدون ) فالله تعالى بين لعباده كيفية عبادته
على لسان رسله عليهم السلام . ولما كانت دعوة الرسل على صراط مستقيم .
فإن إبليس نصب له خيمة على هذا الصراط مهمتها الصد عن سبيل الله وعرقلة
هامش
( 15 ) سورة الكهف ، الآية : 50 .
( 16 ) سورة الذاريات ، الآية : 56 .