ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض
بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تقعدوا بكل صراط توعدون
وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم
وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين * وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به
وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحكمين ) ( 25 ) .
قال المفسرون : دعاهم ( أولا ) : بعد التوحيد الذي هو أصل الدين ، إلى
إيفاء الكيل والميزان وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم . لأن الإفساد في المعاملات
كان رائجا فيهم شائعا بينهم . ثم دعاهم ( ثانيا ) : إلى الكف عن الفساد في
الأرض بعدما أصلحها الله كي ينتظم أمر الحياة السعيدة ، ثم علل دعوته إلى
الأمرين بقوله : ( ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ) أما كونه إيفاء الكيل
والميزان ، وعدم بخس الناس أشياءهم خير ، فلأن حياة الإنسان الاجتماعية في
استقامتها ، مبنية على المبادلة بين الأفراد ، بإعطاء كل منهم ما يفضل من
حاجته . وأخذ ما يعادله مما يتم به نقصه في ضروريات الحياة وما يتبعها ، وهذا
يحتاج إلى أمن عام في المعاملات ، تحفظ به أوصاف الأشياء ومقاديرها على ما
هي عليه . فمن يجوز لنفسه البخس في أشياء الناس ، فهو يجوز ذلك لكل من هو
مثله ، وهو شيوعه . وإذا شاع البخس والغش كان فيه هلاك الأموال والنفوس
جميعا . وأما كون الكف عن إفساد الأرض خيرا لهم ، فلأن سلب الأمن العام ،
يوقف رحى المجتمع الإنساني عن حركتها من جميع الجهات ، وفي ذلك هلاك
الحرث والنسل وفناء الإنسانية فالمعنى : إيفاء الكيل والميزان وعدم البخس
والكف عن الفساد في الأرض خير لكم ، يظهر لكم خير نية إن كنتم مصدقين
لقولي مؤمنين بي . أو المعنى : ذلكم خير لكم تعلمون أنه خير إن كنتم ذوي
إيمان بالحق . . ثم دعاهم ( ثالثا ) : إلى ترك التعرض لصراط الله المستقيم .
الذي هو الدين . فإن في الكلام تلويحا إلى أنهم كانوا يقعدون على طريق
المؤمنين بشعيب عليه السلام . ويوعدونهم على إيمانهم به . والحضور عنده .
والاستماع منه . وإجراء العبارات الدينية معه . ويصرفونهم عن التدين بدين
الحق والسلوك في طريق التوحيد . . . وبالجملة كانوا يقطعون الطريق على
هامش
( 25 ) سورة الأعراف ، الآيات : 85 - 87 .