إليها . ثم أخبرهم محذرا : احذروا أن يترتب على مخالفتكم ومعاداتكم لي
عذاب مثل عذاب قوم نوح وهو الغرق ، أو قوم هود وهو الريح العقيم ، أو قوم
صالح وهو الصيحة والرجفة ( وما قوم لوط منكم ببعيد ) أي لا فصل كثير بين
زمانهم وزمانكم ، وكانت الفاصلة الزمانية بين القومين أقل من ثلاثة
قرون ، وقد كان لوط معاصرا لإبراهيم عليهما السلام ، وشعيب معاصرا لموسى
عليهما السلام ( 19 ) وقيل المراد نفي البعد المكاني ، والإشارة إلى بلادهم
الخربة ، قريبة منكم لقرب مدين من سدوم ، بالمعنى : وما مكان قوم لوط منكم
ببعيد ، تشاهدون مدائنهم المخسوفة وآثارهم الباقية الظاهرة .
وبعد أن أخبرهم بما أخبرهم ، وحذرهم بما حذرهم ، أمرهم أن يستغفروا
الله من ذنوبهم وأن يرجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله ، إن الله ذو رحمة ومودة يرحم
المستغفرين التائبين ويحبهم ، فماذا كان ردهم على البينة التي تحتوي على
صدق الرسالة وتشتمل على أصول المعارف ؟ ماذا كان ردهم عندما طالبهم بأن
يرجعوا بذاكرتهم إلى الماضي حيث الطوفان والريح والصيحة والحجارة ؟ ماذا
كان ردهم عندما طالبهم بالاستغفار والتوبة ؟ لقد كان ردهم عجيبا : ( قالوا يا
شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما
أنت علينا بعزيز ) ( 20 ) يقول صاحب في ظلال القرآن : فهم ضيقوا الصدور
بالحق الواضح لا يريدون أن يدركوه ، وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة
المادية الظاهرة ، فلا وزن عندهم للحقيقة ، القوية التي يحملها شعيب ويواجههم
بها ، وفي حسابهم عصبية العشيرة ، لا عصبية الإعتقاد ، وصلة الدم لا صلة
القلب ، ثم هم يغفلون عن غيرة الله على أوليائه فلا يضعونها في الحساب . .
وحين تفرغ النفوس من العقيدة القومية والقيم الرفيعة والمثل العالية ، فإنها تقبع
على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا ، فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة ،
ولا لحقيقة كبيرة ، ولا تتحرج عن البطش بالداعية ، إلا أن تكون له عصبة تؤويه ،
وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه ، أما حرمة العقيدة والحق والدعوة ، فلا وزن
لها ، ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية ( 21 ) .
هامش
( 19 ) الميزان : 373 / 10 .
( 20 ) سورة هود ، الآية : 91 .
( 21 ) في ظلال القرآن : 1922 / 4 .