النكبة الشاملة التي تحيط بالصالح والطالح والمطفف والذي يوفي المكيال
والميزان على حد سواء . ويصبح بذلك اجتماعهم اجتماعا على المكر وإفساد
الحياة ، لا اجتماعا على التعاون لسعادتها قال تعالى : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم
وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ) ( 8 ) .
فشعيب عليه السلام جاء لقوم احترفوا الفساد ، وركبوا التجارة وساروا بها
في اتجاه النكبة الشاملة التي تحيط بالصالح والطالح ، وذلك لأن جشعهم امتد
إلى غد الإنسان . فهم سرقوه في يومه ، والذي سرق منه جزء يقيم صلبه ، ولكي
يسترده لا بد له من أن يضاعف من عمله كي يأتي بالثمن ، وعندما يذهب ليشتري
ما يقيم صلبه ، يدفعه أهل الطمع والجشع والاحتكار إلى يوم آخر يتعب فيه ليس
من أجل نفسه ولكن من أجلهم ، ومع اللهب يأتي الفساد ويسود الاضطراب وترفع
أعلام العسف والطغيان ، وتفقد الإنسانية إنسانيتها ، وشعيب عليه السلام جاء
إليهم بمشعل الهدى الذي به يقيمون المجتمع الصالح الذي يعرف الإنسان فيه ما
له وما عليه ، وبين لهم أن القضية لم تكن يوما من أجل أن يمتلك هذا أو ذاك المال
الوفير ، لأن العلل والأسباب في كون الله لا تسمح لأحد من إنقاذ ثروته إذا جاء أمر
الله .
* - مواجهة الانحراف :
يقول تعالى : ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من
إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب
يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم
ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقية الخير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم
بحفيظ ) ( 9 ) .
قال المفسرون : يقول تعالى ولقد أرسلنا إلى مدين ، وهم قبيلة من العرب
كانوا يسكنون بين الحجاز والشام . قريبا من معان . بلاد تعرف بهم يقال لها
هامش
( 8 ) سورة الإسراء ، الآية : 35 .
( 9 ) سورة هود ، الآيات : 84 - 86 .