نقص المكيال والميزان ، ثم عاد ثانيا فأمر بإيفاء المكيال والميزان ونهى عن بخس
الناس أشياءهم ، إشارة إلى أن مجرد التحرز عن نقص المكيال والميزان لا يكفي
في إعطاء هذا الأمر حقه ( وإنما نهى عنه أولا : لتكون معرفة إجمالية . هي
كالمقدمة لمعرفة التكليف تفصيلا ) بل يجب أن يوفي الكائل والوازن مكياله
وميزانه ، ويعطياهما حقهما ولا يبخسا ولا ينقصا الأشياء المنسوبة إلى الناس
بالمعاملة ، حتى يعلما أنهما أديا إلى الناس أشياءهم . وردا إليهم مالهم على ما
هو عليه ( 12 ) . ثم نهاهم عليه السلام عن الفساد في الأرض . ثم قال : ( بقية الله
خير لكم إن كشم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ) والبقية بمعنى الباقي . والمراد
به الربح الحاصل للبائع ، وهو الذي يبقى له بعد تمام المعاملة والمعنى : أن
الربح الذي هو بقية . هداكم الله إليه من طريق فطرتكم . هو خير لكم من المال
الذي تقتنونه من طريق التطفيف . ونقص المكيال والميزان إن كنتم مؤمنين ، فإن
المؤمن إنما ينتفع من المال المشروع الذي ساقه الله إليه من طريق حله ، وأما غير
ذلك مما لا يرتضيه الله ولا يرتضيه الناس ، بحسب فطرتهم . فلا خير له فيه ولا
حاجة له إليه .
وبعد أن قال لهم إن كنتم مؤمنين علمتم صحة قولي ، إن بقية الله خير
لكم ، قال : ( وما أنا عليكم بحفيظ ) أي : وما يرجع إلى قدرتي شئ مما
عندكم من نفس أو عمل أو طاعة أو رزق أو نعمة ، فإنما أنا رسول ليس عليه إلا
البلاغ ، لكم أن تختاروا ما فيه رشدكم وخيركم ، أو تسقطوا في مهبط الهلكة من
غير أن أقدر على جلب خير لكم . أو دفع شر منكم ( 13 ) فهو كقوله تعالى : ( فمن
أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ) ( 14 ) .
هكذا تحدث نبي الله شعيب عليه السلام ، هكذا دعا قومه إلى طريق
الصواب ، وبين لهم العديد من حقائق المعارف التي غفلوا عنها ، فماذا كان رد
قومه ؟ لقد كان ردهم هو رد اللصوص في كل زمان ومكان . رد الذين تخصصوا
في سلب كل فرع وكل غصن وكل زهرة وكل ورقة وكل عشب في أرض الله
هامش
( 12 ) الميزان : 362 / 10 .
( 13 ) الميزان : ، 306 / 10 .
( 14 ) سورة الأنعام ، الآية : 104 .